أخبار عاجلة

انتخابات 2026.. من 2011 إلى اليوم: وجوه تتبادل المقاعد ووعود لا تشيخ فهل نغير نحن ذاكرتنا؟

بين أحزاب حكمت وأخرى عارضت وثالثة جربت الموقعين، تعود الوعود نفسها كل خمس سنوات، وكأن المطلوب من الناخب المغربي ألا يختار فقط… بل أن ينسى أيضا.

بابتداء الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، عاد المشهد الذي أصبح مألوفا لدينا كلما اقترب موعد صناديق الاقتراع. فجأة امتلأت الشوارع والمنصات وشبكات التواصل بالمرشحين، وعادت القدرة الشرائية إلى صدارة الاهتمام، واكتشف الجميع من جديد أن الشباب يحتاج إلى العمل، وأن المدرسة تحتاج إلى إصلاح، وأن المستشفى يحتاج إلى أطباء وتجهيزات، وأن القرية تحتاج إلى الماء والطريق، وأن الطبقة الوسطى تعاني، وأن المتقاعد قلق على معاشه، وأن المواطن عموما يستحق الكرامة والإنصاف والعيش الكريم. وهي اكتشافات عظيمة حقا، لولا أن المغاربة يسمعونها منذ سنوات طويلة حتى أصبح من حقهم التساؤل عما إذا كانت بعض الأحزاب لا تتذكر وجود هذه المشاكل إلا عندما تقترب الانتخابات.

ولعل أقوى سلاح تراهن عليه بعض الحملات ليس البرنامج الانتخابي ولا المرشح ولا حتى القدرة على الإقناع، بل ذاكرتنا القصيرة. فالسياسة عندنا تتعامل أحيانا مع المواطن كما لو أنه يولد انتخابيا من جديد كل خمس سنوات، بلا أرشيف لما سمع، وبلا ذاكرة لما وُعد به، وبلا قدرة على مقارنة ما يقال اليوم بما قيل بالأمس. يكفي تغيير لون الملصق، وتحديث الصورة الشخصية، وصياغة شعار أكثر لمعانا، حتى يصبح الوعد القديم مشروعا جديدا، ويتحول الوزير السابق إلى معارض غاضب، والمعارض السابق إلى وزير يشرح لنا صعوبة الإكراهات، ويبدأ الجميع العد من الصفر وكأن السنوات التي مرت لم تكن سوى استراحة تقنية بين حملتين انتخابيتين.

غير أن انتخابات 2026 لا ينبغي أن تقرأ من سنة 2021 وحدها. فمن يريد أن يفهم المشهد الحزبي الحالي عليه أن يعود على الأقل إلى 2011، لأن خمسة عشر عاما مرت منذ تلك اللحظة التي حملت معها دستورا جديدا وانتظارات سياسية واجتماعية واسعة، وأوصلت حزب العدالة والتنمية من المعارضة إلى رئاسة الحكومة. ومنذ ذلك التاريخ، تعاقبت التحالفات وتبدلت المواقع، لكن المثير هو أن معظم الأحزاب الكبرى الموجودة اليوم جربت، بدرجات مختلفة، مقاعد الحكومة أو المعارضة أو الاثنين معا. ولهذا لم يعد مقنعا أن يقدم أي حزب نفسه للناخب باعتباره وافدا جديدا اكتشف اختلالات البلاد هذا الصيف.

العدالة والتنمية، الذي وصل إلى الحكم سنة 2011 محملا بخطاب قوي حول الإصلاح ومحاربة الفساد والريع وتحسين الوضع الاجتماعي، قدم آنذاك برنامجا طموحا تحدث عن نمو في حدود 7 في المائة، وخفض البطالة إلى 7 في المائة، ورفع الدخل الفردي، وتحسين الأجور والمعاشات ومحاربة الفساد. لكن الانتقال من المعارضة إلى الحكومة أظهر مرة أخرى أن البرامج الانتخابية شيء وتدبير الدولة شيء آخر. وخلال سنوات حكم الحزب جاءت قرارات ثقيلة اجتماعيا، من إصلاح نظام التقاعد وما صاحبه من رفع سن الإحالة على التقاعد ونسب المساهمات وتعديل طريقة احتساب المعاش، إلى تحرير أسعار المحروقات، والاقتطاع من أجور المضربين، وإطلاق نموذج التوظيف الجهوي في التعليم الذي سيفتح لاحقا ملفا اجتماعيا طويلا.

وللإنصاف، فإن أزمة التقاعد لم تولد مع حكومة العدالة والتنمية، كما أن صندوق المقاصة كان يمثل عبئا ماليا كبيرا، والدولة كانت بالفعل أمام اختلالات تحتاج إلى حلول. كما أن وزارة المالية نفسها تؤكد أن إصلاح 2016 جاء لمواجهة وضع مالي صعب لنظام المعاشات المدنية، فيما تم التحرير النهائي لأسعار المحروقات السائلة ابتداء من دجنبر 2015 بعد مراحل متدرجة من رفع الدعم. لكن السياسة لا تقاس فقط بسلامة الحسابات المالية، بل أيضا بالمسافة بين الخطاب الذي أوصل الحزب إلى السلطة والقرارات التي اتخذها حين وصل إليها. وعندما يصوت الموظف لحزب يَعِده بتحسين وضعه ثم يجد نفسه مطالبا بالعمل مدة أطول والمساهمة أكثر مقابل شروط أقل سخاء في احتساب معاشه، فمن حقه، على الأقل، أن يسأل إن كان هذا هو الإصلاح الذي تصور أنه يصوت لصالحه.

ومع ذلك، فإن اختزال عشر سنوات كاملة في حزب العدالة والتنمية وحده سيكون بدوره انتقائية سياسية. فالحزب لم يحكم البلاد منفردا، وكانت إلى جانبه أحزاب أخرى شاركت في الحكومات وصوتت على القوانين ودافعت عن القرارات وتحملت المسؤولية الجماعية عنها. بعضها يوجد اليوم في الحكومة، وبعضها في المعارضة، وبعضها تنقل بين الاثنين. وهنا تحديدا ينبغي لذاكرة الناخب أن تكون أطول من عمر التحالفات، لأن الحزب لا يمكنه أن يكون شريكا في القرار عندما يكون ناجحا، ثم يتحول فجأة إلى مجرد شاهد بريء عندما تصبح الحصيلة موضع نقد.

والأمر نفسه ينطبق على المرحلة التي انطلقت سنة 2021. فقد جاءت حكومة يقودها التجمع الوطني للأحرار بمشاركة الأصالة والمعاصرة والاستقلال، حاملة معها وعود الدولة الاجتماعية والتشغيل وإصلاح الصحة والتعليم وحماية الطبقة الوسطى. ومن الخطأ اختزال حصيلتها في السواد، فقد عرفت البلاد خلال هذه المرحلة توسيع منظومة الدعم الاجتماعي المباشر لتصل إلى نحو 3.9 ملايين أسرة، إلى جانب توسيع الحماية الاجتماعية وإطلاق استثمارات وبنيات تحتية كبرى. لكن من الخطأ أيضا استعمال هذه الأوراش لمنع السؤال عن الغلاء والقدرة الشرائية والتشغيل والتعليم والصحة والفوارق المجالية. الإنجاز لا يلغي التعثر، كما أن التعثر لا يمحو كل إنجاز.

والمفارقة التي تستحق الوقوف عندها في انتخابات 2026 أن ملفات كثيرة تعود اليوم إلى مقدمة البرامج والخطابات: الشغل، القدرة الشرائية، الصحة، التعليم، الطبقة الوسطى، التقاعد والعدالة المجالية. وهذه ملفات لم تولد هذا الأسبوع. بعضها كان في قلب برامج 2021، وبعضها موجود في برامج تعود إلى 2016 بل وإلى 2011. ولا حرج في أن تستمر مشكلة معقدة أكثر من ولاية حكومية، لكن الحد الأدنى من احترام ذكاء الناخب هو أن يبدأ الحزب الذي سبق له الحكم بقوله: وعدنا بكذا، حققنا منه كذا، فشلنا في كذا، وهذه هي الأسباب. أما أن تمحى السبورة في بداية كل حملة ويكتب عليها الوعد نفسه بخط أكبر، فذلك أقرب إلى إعادة تدوير الوعود منه إلى تجديد المشروع السياسي.

وإذا كانت أحزاب الأغلبية مطالبة بحصيلة، فإن المعارضة لا يمكنها هي الأخرى أن تختبئ دائما خلف فشل الحكومة. المعارضة ليست غرفة انتظار بين مشاركتين حكوميتين، وليست وظيفة موسمية تقوم على إصدار البيانات ورفض كل ما تقترحه الأغلبية. نعم، قامت المعارضة خلال هذه السنوات بعمل برلماني، وطرحت الأسئلة واقترحت تعديلات وقوانين وفتحت ملفات مهمة، لكن المواطن من حقه أن يسألها أيضا: ماذا بنيتم خلال سنوات المعارضة؟ أين هو النموذج البديل؟ ماذا كنتم ستفعلون أنتم بالميزانية نفسها وبالإكراهات نفسها؟ ومن أين ستمولون زيادة الأجور والمعاشات والتوظيف والاستثمار والدعم إذا كنتم في الوقت نفسه تعارضون الضرائب والاقتراض وتقليص النفقات؟

فمن السهل أن تكون المعارضة مع جميع المطالب الاجتماعية في الوقت نفسه. الأصعب هو أن تجمعها داخل قانون مالية واحد. ومن السهل أن تصف كل قرار حكومي بأنه فاشل؛ الأصعب أن تقدم بديلا قابلا للقياس والتمويل والتنفيذ. لذلك فإن المعارضة التي تقول إن كل شيء سيئ ليست بالضرورة أكثر صدقا من حكومة تقول إن كل شيء جيد. بين التطبيل والتبخيس توجد منطقة أقل إثارة للضجيج لكنها أكثر فائدة تسمى السياسة الجادة.

كما أن بعض الأحزاب تعاني مرضا سياسيا مزمنا يمكن تسميته “تغير القناعة بتغير الكرسي”. الموقف الذي يدافع عنه الحزب بحرارة وهو في الحكومة يمكن أن يصبح بعد انتقاله إلى المعارضة اعتداء على حقوق المواطنين، والمطلب الذي كان يصفه بالشعبوية عندما كان في الأغلبية قد يتحول فجأة إلى مطلب اجتماعي عاجل بمجرد جلوسه في الصف المقابل. والمواطن مطالب، لسبب غير مفهوم، بأن يصدق الروايتين معا. يبدو أحيانا أن بعض الأفكار في السياسة المغربية لا تكون جيدة أو سيئة في ذاتها، بل تتغير جودتها حسب المسافة الفاصلة بين صاحبها ومقاعد الحكومة.

وهذا يعيدنا إلى ظاهرة “الوجوه نفسها”. وليس العيب في أن يستمر السياسي لسنوات إذا كانت له تجربة وكفاءة وحصيلة؛ فالخبرة ليست تهمة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الحياة السياسية إلى تدوير مستمر للأشخاص والمواقع نفسها، وحين نرى مرشحا ينتقل من حزب إلى آخر ثم إلى ثالث، وفي كل مرة يخبرنا أنه وجد أخيرا المشروع السياسي الذي يتطابق مع قناعاته. ومن شدة مرونة بعض هذه القناعات، يخشى المرء أن تغير هي الأخرى الحزب قبل صاحبها.

من حق السياسي أن يغير قناعته فعلا، ومن حقه أن يغادر حزبا يختلف معه، لكن عندما يتكرر تغيير الانتماء مع اقتراب كل استحقاق، ويتزامن بصورة عجيبة مع البحث عن التزكية والحظوظ الأكبر للفوز، فإن من حق الناخب أيضا أن يرفض هذه الممارسة. الانتخابات ليست سوق انتقالات، والمرشح ليس لاعبا محترفا يحمل حقيبته إلى النادي الذي يضمن له مكانا أساسيا في التشكيلة. ومن يريد تمثيل المواطنين لخمس سنوات ينبغي، في الحد الأدنى، أن يقدم لهم سببا سياسيا مقنعا يفسر كيف استطاع تغيير الحزب والرمز والخطاب أكثر مما استطاع تغيير واقع دائرته.

بل إن الناخب ينبغي أن يجعل من السيرة السياسية للمرشح جزءا من قراره: أين كان في الانتخابات السابقة؟ باسم أي حزب ترشح؟ ماذا فعل عندما انتخب؟ كيف صوت؟ كم حضر؟ ما الملفات التي دافع عنها؟ هل بقي وفيا للوعود التي قدمها؟ ثم بعد ذلك فقط نسأله عما ينوي فعله في المستقبل. ربط المسؤولية بالمحاسبة لا ينبغي أن يبقى عبارة جميلة تتكرر في الخطب؛ يجب أن يصبح سلوكا انتخابيا يبدأ من المواطن نفسه. فمن لا يحاسب بالأمس يمنح السياسي حافزا إضافيا لكي يكرر الوعد غدا.

ولا تساعد طبيعة بعض الحملات الانتخابية على هذا النوع من النقاش. فبدلا من منافسة حول الاقتصاد والتعليم والصحة والماء والاستثمار ومستقبل الشباب، تنزلق بعض الدوائر إلى صراعات شخصية بين المرشحين، وتبادل للاتهامات والتجريح والإشاعات والحسابات المحلية. يصبح السؤال المطروح على الجمهور ليس “من يملك البرنامج الأفضل؟” بل “من رد على من؟ ومن هاجم من؟ ومن فضح من؟”. ويتحول المرشح من صاحب مشروع إلى منتج محتوى، ويصبح نجاح الحملة أحيانا مرتبطا بعدد المقاطع المتداولة أكثر من ارتباطه بقيمة الأفكار المطروحة.

لا مشكلة في أن ينتقد المرشح خصمه؛ تلك هي المنافسة السياسية. لكن هناك فرقا بين أن تكشف بالأرقام ضعف اقتراحه وبين أن تجعل برنامجا كاملا للحملة مبنيا على تحطيم صورته الشخصية. الناخب لا يحتاج إلى معرفة أي المرشحين يكره الآخر أكثر، بل يحتاج إلى معرفة أيهما يفهم مشاكل الدائرة والبلد أكثر، وأيهما أكثر نزاهة وكفاءة واتساقا، وأيهما سيظل موجودا بعد أن تنطفئ مكبرات الصوت وتنزع الملصقات.

والأهم من ذلك أن المغرب الذي نتحدث عن تدبير شؤونه خلال الفترة المقبلة ليس مغرب 2011. لقد تغير البلد والمجتمع والاقتصاد والعالم من حولنا بصورة عميقة، وستكون التحولات المقبلة أسرع. نحن أمام أزمة مائية بنيوية؛ فالبنك الدولي يصنف المغرب ضمن البلدان الأكثر تعرضا للإجهاد المائي ويتوقع الاقتراب من عتبة الندرة المطلقة في أفق 2030. وهذا يعني أن الحديث عن الفلاحة والسكن والصناعة والسياحة والتنمية الترابية من دون وضع الماء في قلب المعادلة لم يعد ممكنا.

ونحن أمام تحولات ديمغرافية ستضع مستقبلا أنظمة التقاعد والصحة والحماية الاجتماعية أمام ضغوط أكبر، وأمام رقمنة متسارعة وذكاء اصطناعي سيغير طبيعة الوظائف والمهارات والإدارة والتعليم. كما يقبل المغرب على أفق 2030 بما يحمله من بنية تحتية ضخمة واستثمارات وفرص مرتبطة بالمونديال والسياحة والنقل والصناعة والخدمات. والسؤال ليس هل نبني مطارا أو ملعبا أو طريقا، بل ماذا سيبقى للاقتصاد والمجتمع بعد انتهاء آخر مباراة؟ وهل ستتحول هذه البنية إلى إنتاجية واستثمارات وفرص عمل مستدامة، أم يكون نجاحنا محصورا في صور الافتتاح؟

لذلك تبدو مفارقة أن تدخل بعض الأحزاب انتخابات 2026 بقاموس يكاد يصلح لانتخابات 2011. نعم، ما زلنا نحتاج إلى الوظائف والمدارس والمستشفيات ومحاربة الفساد والعدالة الاجتماعية، لكن طبيعة الأسئلة تغيرت. لا يكفي أن تعدني بمليون وظيفة؛ أخبرني أي وظيفة، وفي أي قطاع، وبأي أجر، وفي أي جهة، وهل ستبقى بعد نهاية الورش الكبرى؟ لا تقل لي فقط إنك ستصلح التعليم؛ أخبرني كيف ستعد الطفل لعالم ستنافسه فيه الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. ولا تقل لي إنك ستنمي الفلاحة دون أن تشرح لي من أين ستأتي بالماء.

وفي المقابل، ينبغي رفض نوع آخر من الخطاب أخذ يتوسع في بعض الحملات والنقاشات السياسية: الشعبوية التي تعتقد أن أفضل طريقة لإسقاط الحكومة هي إقناع الناس بأن المغرب كله فاشل. النقد ضروري، وكشف الفساد واجب، ومحاسبة الحكومة والأحزاب ليست إساءة إلى الوطن؛ لكن هناك مسافة كبيرة بين نقد الحكومة وتبخيس البلد، وبين فضح اختلال مؤسسة وتصوير مؤسسات الدولة كلها باعتبارها بلا قيمة، وبين كشف أزمة اجتماعية حقيقية وتقديم المغرب كما لو أنه بلد لا يملك أي نجاح أو فرصة أو قدرة على التقدم.

هذه الشعبوية لا تضر خصما سياسيا فقط. فالمغرب يتحرك اليوم داخل منافسة دولية على الاستثمار والسياحة والصناعة والكفاءات والأسواق، وصورة البلد أصبحت جزءا من رأسماله الاقتصادي والدبلوماسي. المستثمر والسائح والشريك الاقتصادي يقرأون أيضا ما ينتج داخليا من خطابات وصور، والثقة ليست عنصرا ثانويا في الاقتصاد. لذلك فإن السياسي الذي يحاول إحراق صورة البلد كلها لكي يطهو فوق رمادها نتيجة انتخابية قد يربح تصفيقا قصيرا ويخسر شيئا أكبر من الانتخابات.

لكن الدفاع عن صورة المغرب لا يعني أبدا تغطية الأخطاء أو إسكات النقد، وإلا انقلب الأمر إلى شعبوية مضادة. الصورة القوية لا تصنع بالدعاية، بل بمؤسسات قوية، ومدرسة جيدة، ومستشفى يحترم المريض، وقضاء موثوق، وإدارة فعالة، واقتصاد منتج، وشفافية تسمح للمواطن بأن ينتقد من دون أن يصبح عدوا للوطن. أفضل صورة يمكن أن يقدمها المغرب عن نفسه هي صورة بلد قادر على الاعتراف بمشاكله ومعالجتها، لا بلد يعتقد أن الاعتراف بالمشكلة أخطر من المشكلة نفسها.

وهنا بالضبط ينبغي إعادة الاعتبار لمفهوم ربط المسؤولية بالمحاسبة. فمن تولى المسؤولية عليه أن يقدم حسابا، ومن كان وزيرا لا تبدأ سيرته السياسية من الصفر عندما يغادر الوزارة، ومن كان رئيس جماعة أو نائبا أو مسؤولا حزبيا لا يكفيه أن يشرح لنا ما سيفعله في الولاية المقبلة قبل أن يخبرنا ماذا فعل في السابقة. ومن كان في المعارضة هو الآخر مسؤول عن جودة المعارضة التي قدمها: ماذا اقترح؟ ماذا منع؟ ماذا كشف؟ وما البديل الذي بناه؟

والمحاسبة لا تكون انتقائية. لا يمكن تحميل العدالة والتنمية عشر سنوات وحده ونسيان الأحزاب التي شاركته الحكم، كما لا يمكن تحميل التجمع الوطني للأحرار وحده كل ما جرى منذ 2021 وإعفاء الأصالة والمعاصرة والاستقلال من مسؤولية الأغلبية، ولا ينبغي إعفاء الأحزاب التي قضت سنوات في المعارضة من سؤال بسيط: ما القيمة التي أضافتها للحياة السياسية خلال تلك الفترة؟ الجميع مطالب بفتح دفاتره قبل فتح صناديق الاقتراع.

لذلك، قبل أن يسأل الناخب المرشح عما سيفعله سنة 2028 أو 2030، ربما يجدر به أن يسأله: أين كنت سنة 2016 و2021؟ ماذا قلت آنذاك؟ وكيف صوت حزبك؟ ماذا وعدتنا في الحملة السابقة؟ وإذا كنت قد غيرت حزبك، فلماذا؟ وإذا كنت وزيرا، فأين حصيلتك؟ وإذا كنت معارضا، فأين بديلك؟ وإذا كنت تنتقد اليوم قرارا دافعت عنه بالأمس، فما الذي تغير: القرار أم الكرسي؟

وربما لو أرادت الأحزاب فعلا استعادة جزء من الثقة المفقودة، لبدأ كل برنامج انتخابي بصفحة بسيطة لا يحبها السياسيون كثيرا، عنوانها: ماذا وعدنا في الانتخابات السابقة؟ وتحتها خمسة أعمدة: ما وعدنا به، ما تحقق، ما لم يتحقق، لماذا فشل، ومن يتحمل المسؤولية. عندها فقط سيكون من المنطقي أن نقرأ الصفحة التالية التي تخبرنا بما سيحدث خلال السنوات الخمس المقبلة.

أما أن تتبادل الأحزاب الحكومة والمعارضة، وتتبادل معها المواقف والمرشحين والشعارات، ويغير بعض السياسيين قمصانهم الحزبية كما يغير اللاعبون أنديتهم، ثم تبدأ كل حملة وكأن البلاد بلا تاريخ والناخب بلا ذاكرة، فذلك ليس تناوبا ديمقراطيا كاملا؛ إنه أحيانا تناوب على ذاكرة قصيرة.

فالسياسي يستطيع أن يغير شعاره، والمرشح يستطيع أن يغير حزبه، والحزب يستطيع أن ينتقل من المعارضة إلى الحكومة ثم يعود، ويمكن أن تتغير الصور والألوان والأغاني واللافتات. لكن هناك شيئا واحدا لا ينبغي لنا نحن الناخبين أن نسمح بإعادة ضبطه على إعدادات المصنع كل خمس سنوات:

ذاكرتنا.

لأن الديمقراطية لا تبدأ يوم نضع الورقة في الصندوق فقط، بل تبدأ قبل ذلك بكثير… يوم نقرر أن نتذكر.

شاهد أيضاً

الهجرة الجماعية نحو سبتة: لماذا صار البحر أقرب إلى المغاربة من المستقبل؟

مقال رأي لمولاي إدريس صرصاري لم تبدأ ازمة سبتة يوم ظهرت صور المئات وهم يركضون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *