أخبار عاجلة

الهجرة الجماعية نحو سبتة: لماذا صار البحر أقرب إلى المغاربة من المستقبل؟

مقال رأي لمولاي إدريس صرصاري

لم تبدأ ازمة سبتة يوم ظهرت صور المئات وهم يركضون نحو المعبر، او يسبحون في اتجاه الشاطئ الاخر، او يتدافعون وسط حالة من الفوضى والخوف. ما حدث في ذلك اليوم لم يكن سوى لحظة الانفجار. اما الازمة الحقيقية، فقد كانت تتكون بهدوء منذ مدة، داخل المجتمع، وعلى الحدود، وفي الخطاب السياسي، وفي هواتف الشباب الذين باتوا يرون في الضفة الاخرى خلاصا ممكنا من واقع يعتقدون انه لم يعد يمنحهم ما يكفي من الامل.

كانت الصور قاسية ومربكة. رجال ونساء واطفال يتحركون في اتجاه واحد، وكأنهم امام باب فتح فجأة، وقد يغلق في اي لحظة. بعضهم كان يسبح، وبعضهم يتشبث بالسياج، وبعضهم وصل منهكا قبل ان يجد نفسه في مواجهة الشرطة ومراكز الاستقبال واجراءات الاعادة.

لكن الصورة، مهما كانت قوية، لا تكفي لفهم ما جرى. فهي تظهر النتيجة، ولا تكشف دائما عن الاسباب التي سبقتها. كما انها قد تدفع المتلقي إلى اصدار احكام سريعة: هؤلاء فقراء، او عاطلون، او ضحايا شبكات تهريب، او اشخاص يبحثون عن حياة سهلة. والحقيقة اكثر تعقيدا من ذلك كله.

ما وقع في سبتة هو نتيجة تداخل عوامل اجتماعية وقانونية وسياسية وجغرافية، التقت في ظرف زمني واحد، فحولت الرغبة الفردية في الهجرة إلى حركة جماعية يصعب ضبطها.

سبتة: حدود ليست ككل الحدود

لا يمكن فهم الهجرة نحو سبتة من دون التوقف عند خصوصية المكان. فالمدينة توجد جغرافيا في شمال افريقيا، وتخضع للادارة الاسبانية، فيما يعتبرها المغرب جزءا من اراضيه التي لم تستكمل وحدتها الترابية.

لهذا لم تكن سبتة مجرد نقطة عبور بين المغرب واسبانيا، بل تحولت مع الزمن إلى مجال تتقاطع فيه قضايا السيادة والامن والهجرة والتجارة والعلاقات المغربية الاسبانية والسياسات الاوروبية تجاه الجنوب.

وحين تكون الحدود محملة بهذا القدر من الرمزية السياسية، يصبح كل تحرك بشري فيها قابلا لتفسيرات متعددة. فقد ينظر اليه من زاوية انسانية باعتباره هجرة اشخاص يبحثون عن حياة افضل، وقد يقدم باعتباره تهديدا امنيا، وقد يتحول إلى ورقة ضغط دبلوماسي، او إلى مادة للصراع الانتخابي داخل اسبانيا وخارجها.

وقد سبق ان شهدت سبتة ازمات مشابهة، اشهرها ما وقع سنة 2021، عندما دخل الاف الاشخاص إلى المدينة في ظرف وجيز، وسط ازمة دبلوماسية حادة بين الرباط ومدريد. ومنذ ذلك الوقت، اصبحت الهجرة في هذه المنطقة مرتبطة في الوعي العام بمستوى التفاهم او التوتر بين البلدين.

غير ان استحضار تلك السابقة لا يعني ان كل موجة هجرة هي بالضرورة عملية سياسية منظمة. فالتشابه بين الاحداث لا يكفي لاثبات وحدة الاسباب. وقد يكون العامل السياسي حاضرا في الخلفية، بينما تبقى الدوافع الاجتماعية والاقتصادية والنفسية هي المحرك الاساسي للافراد.

ازمة كانت تتشكل قبل الانفجار

من الخطأ الاعتقاد ان موجة العبور الاخيرة بدأت فجأة بسبب قرار قضائي او زيارة سياسية. فالمعطيات الاسبانية كانت تسجل منذ بداية السنة ارتفاعا ملحوظا في عدد محاولات الوصول إلى سبتة، خصوصا عن طريق البحر. وهذا يعني ان الرغبة في الهجرة كانت موجودة، وان اعدادا متزايدة من الاشخاص كانت تنتظر فرصة مناسبة للتحرك. قد تكون تلك الفرصة مرتبطة بتحسن الطقس، او تراجع المراقبة، او انتشار خبر عن نجاح مجموعات في الوصول، او الاعتقاد بان القوانين تغيرت لصالح المهاجرين.

الازمات الجماعية لا تولد عادة من سبب واحد. انها تشبه حريقا يتطلب وجود مواد قابلة للاشتعال، ثم شرارة، ثم ظروفا تساعد النار على الانتشار. وفي حالة سبتة، كانت الهشاشة الاجتماعية وفقدان الامل هما المادة القابلة للاشتعال، فيما شكلت بعض التطورات القانونية والسياسية والاعلامية الشرارة التي سرعت الانفجار.

قرار المحكمة: بين ما قاله القانون وما فهمه الشارع

كان قرار المحكمة العليا الاسبانية واحدا من اهم العوامل التي رافقت تصاعد محاولات العبور.

مضمون القرار لم يكن فتح الحدود، ولم يكن منح المهاجرين حقا تلقائيا في الاقامة. المحكمة قالت، في جوهر حكمها، ان الشخص الذي يصل سباحة او يعترض في البحر لا ينبغي ان يعاد فورا من دون اخضاعه للمسطرة القانونية، وتحديد هويته، ودراسة وضعيته، وتمكينه من الضمانات التي ينص عليها القانون.

بعبارة اخرى، المحكمة لم تمنع الاعادة، لكنها منعت الاعادة الفورية والجماعية من دون اجراءات فردية.

غير ان هذا التفصيل القانوني لم يصل إلى الشباب كما هو. ما انتشر في شبكات التواصل كان ابسط بكثير: من يصل سباحة إلى سبتة لن يعاد.

وهنا ظهر الفرق بين الحقيقة القانونية والحقيقة التي تصنعها الشائعة. فقرار معقد، موجه إلى القضاة والمحامين والسلطات، تحول في الهواتف إلى وعد مبسط بالنجاح والبقاء.

هذا الاعتقاد قد يكون كافيا لتغيير حسابات شخص كان يخشى ان يعاد فور وصوله. فحين يعتقد المهاجر ان دخوله إلى سبتة سيمنحه على الاقل وقتا او فرصة لطلب الحماية او الانتقال إلى الداخل الاسباني، تصبح المخاطرة، في نظره، اكثر قابلية للتحمل.

لم يخلق قرار المحكمة الرغبة في الهجرة، لكنه ساهم في تخفيض الخوف من الفشل السريع. لقد فتح بابا في المخيال اكثر مما فتح بابا في القانون.

حاجة اسبانيا إلى العمال وصناعة الوهم

تحتاج اسبانيا، مثل دول اوروبية اخرى، إلى اليد العاملة في قطاعات متعددة، منها الفلاحة والبناء والسياحة والنقل والرعاية والخدمات.

كما اعتمدت السلطات الاسبانية سياسات لتسوية اوضاع بعض المهاجرين الموجودين داخل البلاد، في اطار معالجة واقع اقتصادي وديمغرافي يحتاج إلى عمال جدد.

لكن هذا المعطى، حين ينتقل عبر شبكات التواصل والاحاديث اليومية، يفقد شروطه وتفاصيله. فيتحول من سياسة موجهة إلى اشخاص يوجدون داخل اسبانيا منذ مدة ويستوفون شروطا محددة، إلى رسالة عامة تقول ان اسبانيا تحتاج إلى المهاجرين وتمنحهم الاوراق.

ثم يضاف إلى ذلك خبر قرار المحكمة، فتتكون صورة اشد اغراء: اسبانيا تحتاج إلى العمال، وتسوي اوضاع المهاجرين، ولا تعيد من يصل إليها سباحة.

كل جملة من هذه الجمل تحمل جزءا من الحقيقة، لكن جمعها بهذه الطريقة ينتج استنتاجا خاطئا. فاسبانيا تحتاج اساسا إلى هجرة منظمة، او إلى تسوية اوضاع اشخاص موجودين داخلها، وليس إلى دخول جماعي وفوضوي عبر الحدود.

كما ان الحاجة إلى العمال لا تعني ان كل مهاجر سيجد عملا، ولا ان كل من يصل سيحصل على الاقامة، ولا ان العيش في اسبانيا سيكون سهلا.

غير ان الشباب لا يتحرك دائما بناء على النصوص القانونية، بل بناء على الصور والقصص والشائعات. وما يصل إلى ذهن المرشح للهجرة ليس القانون في صيغته الدقيقة، بل الانطباع العام بان الفرصة اصبحت متاحة.

زيارة رئيس الحكومة الاسبانية للجزائر

جاءت الازمة ايضا في ظرف سياسي حساس، بعد زيارة رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، وما رافقها من حديث عن فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين. هذه الزيارة لم تكن حدثا عاديا من وجهة نظر المغرب. فالجزائر طرف رئيسي في النزاع الاقليمي حول الصحراء، ومنافس استراتيجي للرباط، كما ان العلاقات بين مدريد والجزائر كانت قد تضررت سابقا بعد تغير الموقف الاسباني من قضية الصحراء.

من الطبيعي، اذن، ان تثير الزيارة تساؤلات بشأن تأثيرها في العلاقة بين المغرب واسبانيا، خصوصا في ظل حساسية ملفات الهجرة والامن والسيادة. لكن التزامن لا يكفي وحده لاثبات وجود علاقة سببية مباشرة بين زيارة الجزائر وتدفق المهاجرين نحو سبتة. فلا توجد، إلى حدود المعطيات المتاحة، ادلة واضحة تثبت ان الجزائر تدخلت في تنظيم هذه التحركات، او ان المغرب قرر فتح الحدود ردا على زيارة سانشيز.

التحليل المهني يقتضي التمييز بين السياق والدليل. الزيارة وفرت سياقا سياسيا حساسا، وربما اثرت في طريقة قراءة الازمة من الجانب الاسباني، لكنها لا تصلح وحدها دليلا على ان ما وقع كان ردا سياسيا منظما.

يمكن القول ان الازمة اندلعت في لحظة كان فيها ميزان الثقة بين الرباط ومدريد عرضة للاختبار، وان التقارب الاسباني الجزائري اعاد إلى الواجهة اسئلة قديمة حول حدود الشراكة المغربية الاسبانية. اما ما وراء ذلك، فيبقى في دائرة الفرضيات ما لم تظهر معطيات موثقة.

شبكات التواصل وعدوى العبور

ربما لم يكن جميع الذين تحركوا نحو سبتة يعرفون بقرار المحكمة، ولا بتفاصيل العلاقات الاسبانية الجزائرية. لكنهم كانوا يشاهدون الفيديوهات. وهذا هو العامل الاكثر تأثيرا في تسريع الظاهرة. عندما يصل عشرات الاشخاص إلى الضفة الاخرى، ثم ينشرون مقاطع تؤكد وجودهم داخل سبتة، تتحول الشائعة إلى صورة. وحين يرى المتردد ان غيره نجح، تتراجع لديه مشاعر الخوف، ويبدأ في التفكير بان الطريق اصبح مفتوحا.

ثم يعمل منطق الحشود. فالفرد قد يخشى عبور الحدود وحده، لكنه يشعر بقدر من الامان حين يتحرك وسط مئات او الاف الاشخاص. وتتحول المخاطرة الفردية إلى موجة جماعية، يعتقد كل مشارك فيها ان السلطات لن تكون قادرة على توقيف الجميع. كما يخلق انتشار الفيديوهات شعورا بالاستعجال. فقد يظن الشخص ان الفرصة لن تستمر، وان عليه التحرك بسرعة قبل ان تعزز المراقبة او يغلق الطريق.

هكذا تختصر شبكات التواصل الزمن بين الفكرة والتنفيذ. لا تمنح الفرد وقتا كافيا للتفكير في المخاطر، ولا تعرض عليه مصير من غرقوا او اعيدوا او عاشوا سنوات في الشوارع. انها تظهر لحظة الوصول، ولا تظهر ما قبلها وما بعدها.

الجغرافيا والطقس ووهم المسافة القصيرة

تبدو سبتة قريبة جدا من شواطئ الفنيدق والمناطق المجاورة. وقد يرى الشاب المدينة امامه، فيشعر ان اوروبا ليست سوى امتار قليلة من السباحة. هذا القرب الجغرافي يصنع وهما خطيرا. فالمسافة القصيرة لا تعني ان الطريق امن. التيارات البحرية، والبرد، والتعب، والازدحام، وضعف القدرة على السباحة، كلها عوامل قد تجعل بضعة امتار مسافة فاصلة بين الحياة والموت. ويساعد فصل الصيف عادة على ارتفاع محاولات العبور. يكون البحر اكثر هدوءا نسبيا، وتزداد الحركة في الشواطئ، ويصبح الوصول إلى المنطقة اقل اثارة للانتباه. لكن الطقس لا يفسر وحده ما وقع. هو عامل مساعد، يجعل تنفيذ القرار ممكنا بعد ان تكون الرغبة قد تكونت، وبعد ان تكون الشائعة قد انتشرت، وبعد ان يعتقد الاشخاص ان فرصة استثنائية ظهرت امامهم.

ماذا يجعل المغربي يختار المجازفة؟

بعد كل العوامل القانونية والسياسية والجغرافية، يبقى السؤال المركزي اجتماعيا: ما الذي يجعل شخصا يختار المجازفة بحياته، بين الغرق والاعتقال والاعادة، من اجل الوصول إلى بلد لا يعرف ما ينتظره فيه؟ الجواب السهل هو الفقر. لكنه جواب ناقص. ليس كل من يحاول الهجرة فقيرا إلى الحد الاقصى، وليس كل فقير يفكر في دخول البحر. وقد يكون بين المهاجرين طالب او عامل او حامل شهادة او شخص ينتمي إلى اسرة متوسطة. المشكلة في كثير من الاحيان ليست فقط في مستوى الدخل، بل في الشعور بانعدام الافق. يشعر الشاب ان سنوات الدراسة لا تضمن عملا، وان العمل لا يضمن سكنا، وان الاجتهاد لا يؤدي بالضرورة إلى الترقي، وان الوصول إلى حياة مستقرة يحتاج إلى سنوات طويلة او إلى علاقات ووساطات لا يملكها. هذا ما يمكن وصفه بفقر الافق. فقد لا يكون الشخص جائعا، لكنه لا يرى طريقا واضحا للمستقبل. وقد لا يكون عاطلا، لكنه يعمل في ظروف لا تسمح له بالاستقلال او بناء اسرة او تحقيق كرامة مهنية. تتحول الهجرة حينها من بحث عن راتب اعلى إلى محاولة لبدء حياة جديدة. لا يعود السؤال: ماذا ساجني من اوروبا؟ بل يصبح: هل يمكن ان تكون لي فرصة هناك لا اجدها هنا؟

لماذا يهاجر الاطفال؟

يبقى وجود الاطفال في هذه المشاهد اكثر ما يدعو إلى القلق. فالراشد قد يقول انه جرب وفشل، اما الطفل فلم يعش بعد ما يكفي حتى يحكم بان المستقبل مغلق. ومع ذلك، نراه يركض نحو الحدود او يدخل البحر وكأنه يعرف تماما ما يريده. الطفل لا يبني تصوره عن الهجرة من تقارير الاقتصاد، بل من محيطه القريب. يسمع الكبار يتحدثون عن غياب العمل، ويرى اقاربه يعودون من اوروبا في سيارات جيدة، ويشاهد على الهاتف صور المدن والملابس والحياة المنظمة. ولا يرى الطفل في الغالب الثمن الحقيقي للهجرة. لا يرى سنوات العمل الشاق، ولا الوحدة، ولا التمييز، ولا السكن المكتظ، ولا الخوف من الشرطة، ولا احتمال الاستغلال. في ذهنه، قد تصبح اوروبا مرادفا للحرية والمال والنجاح. وقد يعتقد انه بمجرد الوصول سيحصل على الحماية، ثم الدراسة والعمل، وربما يساعد اسرته. وعندما يصل الطفل إلى مرحلة يعتقد فيها ان البحر يمنحه مستقبلا افضل من المدرسة، فنحن لسنا امام خطا فردي فقط. نحن امام خلل في منظومة كاملة تشمل الاسرة والمدرسة والاعلام ومؤسسات حماية الطفولة والسياسات الاجتماعية. الهجرة هنا ليست مجرد حركة من مكان إلى اخر، بل مؤشر على ان الطفل لم يعد يثق في المسار الطبيعي لحياته.

هل اوروبا هي الحياة السعيدة؟

لا يمكن انكار ان اوروبا توفر حقوقا وخدمات وفرصا لا تتوفر بالدرجة نفسها في كثير من دول الجنوب. هناك قانون اكثر انتظاما، وحماية اجتماعية، ومدارس ومستشفيات وفرص للتكوين والعمل. لكن هذه الصورة لا تعني ان اوروبا جنة مفتوحة. هناك غلاء في السكن والمعيشة، وهناك ضرائب والتزامات، وهناك صعوبات في الحصول على الاقامة والعمل، وهناك تمييز وعنصرية وعزلة نفسية. كما ان المهاجر غير النظامي قد يقضي سنوات في ظروف هشة، يعمل باجر منخفض، او يعيش في خوف دائم من الترحيل. كثير من المهاجرين الذين يظهرون نجاحهم في الصيف لا يتحدثون دائما عن سنوات المعاناة التي سبقت ذلك. يعرضون النتيجة، ولا يعرضون الطريق. في اوروبا توجد حقوق، لكن توجد معها واجبات صارمة. احترام القانون، اداء الضرائب، الالتزام بالمواعيد، اتقان العمل، احترام الفضاء العام، وتحمل المسؤولية الفردية.

وهذه نقطة كثيرا ما تغيب عن النقاش. فنحن نعجب بالنظام الاوروبي، لكننا لا نربطه دائما بالسلوك اليومي الذي صنعه. الحقوق هناك لم تنزل من السماء، بل جاءت نتيجة مؤسسات وقوانين ونضالات، ونتيجة مواطنين يؤدون الضرائب ويحترمون المرافق العامة ويشاركون في الانتخابات ويحاسبون المسؤولين.

بين حقوق المواطن وواجباته

من المشروع القول ان المجتمع لن يتقدم اذا طالب كل فرد بحقوقه وتخلى عن واجباته. فالموظف الذي لا يؤدي عمله، والمنتخب الذي يهدر المال العام، والمقاول الذي يظلم عماله، والمواطن الذي يرشي او يغش او يخرب الملك العمومي، جميعهم يساهمون في انتاج الواقع الذي يشتكون منه. لو قام كل مغربي، مهما كان موقعه، بما عليه من واجبات، لتحسنت جوانب كثيرة من حياتنا المشتركة. لكن هذا الكلام لا ينبغي ان يتحول إلى ذريعة لتحميل المواطن وحده مسؤولية الازمة. فالدولة والمؤسسات تملك السلطة والموارد ووسائل التخطيط، ومسؤوليتها اكبر في توفير التعليم والصحة والشغل والعدالة وتكافؤ الفرص.

لا يمكن ان نطلب من المواطن الثقة في المؤسسات، اذا كان يشعر ان القانون لا يطبق على الجميع. ولا يمكن ان نطالبه بالمشاركة السياسية، اذا كان يعتقد ان صوته لا يغير شيئا. ولا يمكن ان نطالبه بالبقاء، اذا لم ير امامه طريقا واضحا لحياة كريمة. العلاقة الصحيحة ليست صراعا بين الحقوق والواجبات. هي عقد متبادل: دولة تضمن الحقوق وتحارب الفساد والتمييز، ومواطن يحترم القانون ويؤدي واجبه ويحمي المصلحة العامة. حين يختل هذا التوازن، تضعف الثقة. وحين تضعف الثقة، يصبح الرحيل في نظر البعض اكثر واقعية من انتظار الاصلاح.

الهجرة في زمن الانتخابات

تأتي ازمة سبتة في وقت يستعد فيه المغرب لاستحقاق انتخابي جديد. وهذا التزامن يمنحها بعدا سياسيا لا يمكن تجاهله. في الوقت الذي تستعد فيه الاحزاب لدعوة المواطنين إلى صناديق الاقتراع، يظهر شباب يقررون مغادرة المجال الوطني نفسه. لا يعني هذا ان كل مهاجر يحمل موقفا سياسيا واعيا، او انه خرج للاحتجاج على الحكومة او حزب معين. لكن الهجرة يمكن ان تقرأ، بصورة رمزية، باعتبارها تصويتا بالقدمين. حين لا يثق الشاب في قدرة السياسة على تغيير حياته، قد يختار مغادرة المكان بدل المشاركة في اصلاحه.

وهنا تواجه الاحزاب سؤالا حقيقيا: ماذا ستقدم للشباب غير الشعارات؟ كيف ستقنع طفلا او شابا بان مستقبله يمكن ان يصنع هنا؟ ما البرامج القابلة للقياس في التعليم والتكوين والشغل والسكن والثقافة والرياضة؟

صور سبتة لا ينبغي ان تتحول فقط إلى مادة لمهاجمة الحكومة، كما ان الحكومة لا يمكن ان ترد عليها بمجرد عرض الارقام والمنجزات الكبرى. فقد تحقق الدولة مشاريع مهمة، لكن المواطن يقيس نجاحها من خلال اثرها المباشر في حياته. هل وجد عملا؟ هل تحسنت مدرسته؟ هل عولج بكرامة؟ هل يشعر ان القانون يحميه؟ هل يستطيع ان يبني مستقبله بجهده؟ هذه هي الاسئلة التي تحدد العلاقة بين المواطن والسياسة، لا حجم الشعارات في الحملات الانتخابية.

الهجرة والسيادة

تكشف سبتة ايضا عن مفارقة سياسية. فالمغرب يطالب باسترجاع المدينة، لكنه يتعاون مع اسبانيا في مراقبة حدودها ومنع المهاجرين من الوصول إليها. واسبانيا تتمسك بسيادتها على سبتة، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على الجهد المغربي لحماية هذه الحدود. هذا الاعتماد المتبادل يجعل الهجرة جزءا من ميزان القوة بين البلدين. فحين يكون التعاون قويا، تنخفض محاولات العبور. وحين يحدث توتر او تراجع في التنسيق، تتحول سبتة بسرعة إلى نقطة ضغط. غير ان اخطر ما في ذلك هو ان يصبح الانسان نفسه وسيلة لقياس مستوى العلاقات بين الدول. فلا ينبغي ان يكون المهاجر رسالة دبلوماسية، ولا ورقة تفاوض، ولا اداة لتخويف الناخبين. السيادة لا تعني فقط حماية الحدود. السيادة تعني ايضا حماية المواطن، ومنحه الشعور بان له مكانا ومستقبلا داخل وطنه.

الانسان هو الحلقة الاضعف

يمكن للسلطات ان تعزز السياج، وتنشر المزيد من عناصر الامن، وتوقف المرشحين للهجرة، وتتفق على اعادتهم. وقد تنجح هذه الاجراءات في خفض الارقام واعادة الهدوء إلى الحدود. لكنها لن تجيب عن السؤال الاصلي: لماذا اصبح الرحيل اكثر اغراء من البقاء؟ لا ينبغي تمجيد الهجرة غير النظامية. تعريض النفس للموت ليس بطولة، وترك طفل يدخل البحر ليس شجاعة، والتدافع عند الحدود ليس طريقا إلى الكرامة.

لكن رفض الطريقة لا يعفينا من فهم السبب. خلف كل شخص ظهر في تلك الفيديوهات قصة مختلفة. هناك من يهرب من الفقر، ومن يهرب من البطالة، ومن يبحث عن فرصة، ومن يتبع الحشود، ومن يصدق الشائعات، ومن لا يعرف اصلا ما ينتظره في الضفة الاخرى. وفي كل هذه الحالات يبقى الانسان هو الحلقة الاضعف. يخاطر بجسده، ويواجه البحر، وينام في الشارع، وتتنازع الدول بشأنه، وتستعمل الاحزاب صورته، ثم يختفي من النقاش بعد انتهاء الازمة. تبقى الاسئلة مفتوحة:

  • ما الذي يجعل طفلا لم يعش حياته بعد يعتقد ان مستقبله يوجد خلف السياج؟
  • لماذا تصل إلى الشباب شائعات العبور اسرع من فرص التكوين والهجرة النظامية؟
  • هل كانت الازمة نتيجة انفجار اجتماعي عفوي، ام ثمرة تداخل بين القانون والسياسة والجغرافيا؟
  • اين تنتهي مسؤولية الدولة، واين تبدأ مسؤولية الاسرة والمدرسة والاعلام والاحزاب والمواطن؟
  • هل تكفي الاسوار لحماية السيادة، ام ان السيادة الحقيقية تبدأ من حماية كرامة الانسان؟
  • وهل يمكن منع الشباب من الوصول إلى سبتة، من دون ان نجعل البقاء في المغرب خيارا مقنعا؟

ثم يبقى السؤال الاكثر قسوة:

ما الذي اخفقنا جميعا في بنائه، حتى بدا لبعض ابنائنا ان البحر اقرب من المستقبل؟

شاهد أيضاً

مطارات المغرب.. فضاءات للمشجعين لمتابعة مباشرة لأداء أسود الأطلس بمناسبة مونديال 2026

الدار البيضاء – تستقبل مطارات الدار البيضاء محمد الخامس، والرباط – سلا، ومراكش-المنارة، وأكادير-المسيرة، وفاس-سايس، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *