بقلم م إدريس صرصاري
ما إن تنتهي العطلة الصيفية بما حملته لكثير من الأسر من نفقات استثنائية وأسفار وارتفاع في الاستهلاك، حتى يجد الآباء والأمهات أنفسهم أمام موسم آخر لا يقل ضغطا على جيوبهم وأعصابهم: الدخول المدرسي. وبينما يعود التلميذ إلى المدرسة محملا بذكريات عطلته وانتظارات سنة جديدة، يعود والداه إلى سباق من نوع آخر، يبدأ بلوائح الكتب والدفاتر والأقلام ولا ينتهي عند المحافظ والملابس والنقل والتأمين ومختلف المصاريف التي تتكاثر فجأة في ظرف زمني قصير.
كان من المفترض أن يكون الدخول المدرسي مناسبة تحتفي فيها الأسر ببداية سنة تعليمية جديدة، لكنه أصبح بالنسبة إلى كثيرين موسما للاستهلاك المكثف، تظهر خلاله أسواق موسمية وسلوكيات تجارية تستفيد من كون الحاجة إلى الكتاب أو الدفتر حاجة لا تحتمل التأجيل. فالطفل مطالب بالحضور إلى القسم بكتبه، والأب لا يستطيع أن ينتظر شهرا حتى تنخفض الأسعار أو تتحسن شروط العرض، وهنا بالتحديد تتحول الحاجة الملحة إلى فرصة تجارية قد تغري البعض بالمبالغة أو الاستغلال.
ولا يتعلق الأمر هنا باتهام مهنة بأكملها أو شيطنة أصحاب المكتبات، فغالبيتهم مهنيون يشتغلون وسط سلسلة معقدة من الناشرين والموزعين وتكاليف المخزون وهوامش الربح. لكن الإنصاف نفسه يقتضي ألا يمنعنا من الحديث عن ممارسات تتكرر كل موسم، بعضها شاهدته شخصيا، وبعضها أصبح حديث أسر كثيرة تنتقل بين المكتبات بحثا عن مقرر اختفى فجأة أو عن لوازم تحولت من أدوات مدرسية إلى حزمة تجارية لا تقبل التجزئة.
مقرران جعلا مراكش تبدو أكبر مما هي عليه
خلال هذا الموسم الدراسي، كما حدث معي في الموسم السابق، وجدت نفسي أطوف مراكش جيئة وذهابا بحثا عن مقررين دراسيين فقط. ما كان يفترض أن يكون عملية شراء بسيطة تحول إلى رحلة بين المكتبات والأحياء، بحثا عن كتابين يفترض أن تكون حاجيات السوق منهما معروفة مسبقا، خصوصا أننا نتحدث عن مقررات معتمدة وليست عن كتب نادرة أو إصدارات محدودة.
وفي إحدى المكتبات وقع ما أثار استغرابي أكثر. رأيت أحد المقررات الذي أبحث عنه أمام عيني، وحين طلبت شراءه أخبرني العامل الموجود بالمحل بأنه مسؤول عن بيع الأدوات فقط، وأن صاحب المكتبة هو الذي يتولى بيع المقررات وسيعود بعد قليل. انتظرت عودته، لكن المفاجأة أن صاحب المكتبة أنكر توفره على الكتاب أصلا، رغم أنني كنت قد رأيته بنفسي قبل دقائق.
لم أفهم الأمر حينها، إلى أن أخبرني شخص لاحقا بأن الحصول على بعض المقررات من تلك المكتبة قد يكون مرتبطا باقتناء باقي اللوازم منها. لا أملك أن أحول واقعة شخصية إلى حكم على جميع المكتبات، ولا ينبغي ذلك، لكن عندما يتكرر الحديث عن ربط بيع الكتاب بشراء دفاتر وأقلام ولوازم أخرى، يصبح السؤال مشروعا: هل ما زلنا أمام تجارة عادية، أم أمام استغلال لحاجة الأسرة إلى سلعة لا تستطيع استبدالها أو تأجيلها؟
فالكتاب المدرسي ليس منتجا يستطيع المستهلك أن يغير علامته إذا لم تعجبه شروط البائع. عندما تحدد المؤسسة مقررا بعينه، يصبح الأب مطالبا بالعنوان نفسه والطبعة نفسها، وأحيانا بالناشر نفسه. وهكذا يحصل من يملك الكتاب النادر على قوة تفاوضية غير عادية، ويصبح من السهل تحويل المقرر إلى وسيلة لجذب الزبون أو الضغط عليه لشراء أشياء أخرى.
والمفارقة أن حماية المستهلك في المغرب تقوم أصلا على مبدأ رفض البيع المشروط وربط اقتناء منتج بشراء منتج آخر، كما أن التشريع المنظم للتعليم المدرسي أصبح أكثر وضوحا في منع المؤسسات الخصوصية من إلزام الأسر باقتناء الكتب واللوازم منها أو توجيهها نحو مكتبة محددة. أي أن حرية الأسرة في اختيار مكان الشراء ليست مجرد مسألة راحة، بل مبدأ يستحق الحماية.
من الكتاب إلى لائحة تتحول إلى فاتورة
غير أن المشكلة لا تبدأ عند المكتبة فقط، بل قد تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يتوصل ولي الأمر بلائحة اللوازم المدرسية. فهناك فرق كبير بين لائحة تحدد ما يحتاج إليه الطفل فعلا وبين قائمة طويلة تشبه في بعض الأحيان فاتورة تجهيز فصل دراسي كامل.
من الطبيعي أن تحدد المؤسسة عدد الدفاتر وأحجامها، وأن تطلب أدوات للرسم والكتابة والأنشطة. لكن ما يثير التساؤل هو تضخم بعض اللوائح لتشمل كميات كبيرة من الورق والغراء وأقلام السبورة ومواد مختلفة، وبعضها أقرب إلى احتياجات القسم أو المؤسسة منها إلى الأدوات الشخصية للتلميذ.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أشياء: ما يحتاج إليه الطفل شخصيا، وما يحتاج إليه لإنجاز نشاط بيداغوجي محدد، وما يدخل أصلا ضمن تكاليف تشغيل المؤسسة. فإذا كانت مواد معينة ستستهلكها الأقسام طيلة العام، فمن المشروع أن يسأل ولي الأمر لماذا لا تدخل ضمن المصاريف التي تؤديها المؤسسة من واجبات التمدرس، بدل توزيعها في بداية السنة على عشرات الأسر.
إن نقل تكلفة بعض احتياجات القسم إلى لائحة التلميذ لا يلغي التكلفة، بل يخفيها فقط. وفي النهاية تجد الأسرة نفسها أمام واجبات التسجيل والتمدرس من جهة، ثم أمام فاتورة موازية اسمها “لائحة اللوازم”، دون أن يكون واضحا دائما أين تنتهي الضرورة البيداغوجية وأين تبدأ المصاريف التشغيلية التي تم تمريرها إلى جيب الأسرة.
لماذا يجب أن يكون القلم من هذه “الماركة” بالذات؟
وتزداد علامات الاستفهام حين لا تكتفي بعض اللوائح بتحديد نوع الأداة أو مقاسها، بل تشير إلى علامة تجارية بعينها. فبدل أن يكتب في اللائحة “قلم تلوين جيد” أو “دفتر 96 صفحة” أو “صمغ غير سام”، نجد أحيانا اسما تجاريا محددا، رغم وجود بدائل متعددة في السوق تؤدي الوظيفة نفسها وبأسعار أقل.
هنا لا يعود السؤال تربويا فقط، بل يصبح اقتصاديا وأخلاقيا أيضا. ما القيمة التعليمية التي تضيفها علامة تجارية معينة إلى دفتر يكتب فيه الطفل العمليات الحسابية نفسها؟ وهل يصبح الرسم أجمل أو التعلم أكثر جودة لأن اسم شركة محددة مطبوع على علبة الأقلام؟
طبعا من حق الأستاذ أو المؤسسة اشتراط مستوى مقبول من الجودة، خصوصا في الأدوات التي تؤثر فعليا في عمل الطفل أو سلامته، لكن الجودة يمكن تعريفها بالمواصفات: حجم الورق، نوع القلم، درجة المتانة، السلامة، عدد الصفحات أو غيرها. أما حين يتحول اسم العلامة التجارية نفسه إلى جزء من الشرط المدرسي، فإن حرية الأسرة في مقارنة الأسعار واختيار البديل الأنسب لميزانيتها تضيق دون مبرر بيداغوجي واضح.
وهنا تبرز حاجة حقيقية إلى قواعد أكثر دقة: عندما تكون هناك مواصفات تقنية ضرورية، ينبغي تحديدها، أما العلامة التجارية فيفترض أن تظل خيارا للمستهلك، إلا إذا كانت هناك ضرورة تعليمية استثنائية يمكن تفسيرها بوضوح.
مدرسة واحدة.. ونظام واحد.. ولوائح من عوالم مختلفة
ثم يأتي السؤال الذي يطرحه كثير من الآباء: لماذا يتفاوت عدد وحجم اللوازم بشكل كبير بين مؤسسة وأخرى، حتى عندما يكون الأطفال في المستوى الدراسي نفسه؟
طفلان يدرسان المستوى الثالث الابتدائي في المدينة نفسها، ويتلقيان في النهاية تعليما يفترض أن يقود إلى الكفايات الأساسية نفسها. أحدهما يحتاج عددا محدودا من الدفاتر والكتب، بينما يعود الآخر إلى البيت بلائحة طويلة من الدفاتر متعددة الأحجام، والملفات، والكتب الإضافية، وأدوات الرسم والأنشطة والمواد الاستهلاكية.
من الطبيعي أن تختلف المدارس في مشاريعها التربوية وأساليبها التعليمية، خصوصا في القطاع الخاص. وقد تكون لمؤسسة معينة أنشطة إضافية في اللغات أو الفنون أو العلوم تبرر بعض الأدوات الخاصة. لكن الاختلاف في المشروع التربوي لا يعني أن تصبح أي زيادة في اللائحة محصنة من السؤال.
إذا كانت مدرسة تحتاج خمسة دفاتر لمستوى معين وأخرى تحتاج خمسة عشر، فالسؤال ليس اتهاما للثانية، بل طلب تفسير: ماذا سيضيف العشرة الإضافيون إلى التعلم؟ وإذا كانت مؤسسة تضيف ثلاثة أو أربعة مراجع أخرى، فما القيمة التي تقدمها هذه الكتب؟ وهل يستعملها الطفل فعلا طوال السنة أم تتحول في النهاية إلى كتب بالكاد تفتح؟
المشكلة ليست أن تختلف المدارس، بل أن يصبح الاختلاف بلا تفسير. فالحرية البيداغوجية لا ينبغي أن تكون بطاقة مفتوحة لزيادة الكلفة، بل مسؤولية تقتضي إثبات أن ما تطلبه المؤسسة من الأسرة يحقق قيمة تعليمية فعلية.
كتاب الإنجليزية بـ255 درهما.. من يدرس كلفة القرار؟
ويزداد النقاش وضوحا عندما ننتقل إلى أسعار بعض الكتب الأجنبية. فمن بين الكتب المطلوبة في بعض المؤسسات للمستوى الثالث الابتدائي كتاب Go Global 3 بكتاب التلميذ ودفتر الأنشطة، ويصل سعره في السوق المغربية إلى حوالي 255 درهما.
لا اعتراض هنا على تعليم الإنجليزية، بل العكس تماما؛ فالانفتاح على اللغة الإنجليزية أصبح ضرورة حقيقية، وربما تأخر المغرب أصلا في تعزيز حضورها. لكن دعم الإنجليزية شيء، وافتراض أن أي كتاب أجنبي مهما كان سعره يصبح مقبولا بمجرد أنه يحمل محتوى جيدا شيء آخر.
السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: هل توجد بدائل تحقق الأهداف التعليمية نفسها بكلفة أقل؟ وهل عندما تعتمد مؤسسة أو جهة ما مرجعا، يتم تقييم ثمنه وقدرة الأسر على تحمله إلى جانب تقييم محتواه؟ وهل يعقل أن يكون مقرر واحد لطفل في المستوى الثالث أغلى من مجموع عدد من الكتب الأساسية الأخرى؟
إن اتخاذ قرار بيداغوجي دون حساب أثره الاقتصادي يجعل الأسرة آخر من يعلم وأول من يدفع. فاختيار كتاب بثمن مرتفع قد يبدو قرارا بسيطا داخل اجتماع تربوي، لكنه حين يطبق على مئات أو آلاف الأطفال يتحول إلى كلفة اجتماعية معتبرة.
من يربح من تعدد المقررات؟
وهذا يقود إلى السؤال الأوسع: لماذا كل هذا التعدد في المقررات؟
يمكن الدفاع عن تعدد الكتب باعتباره وسيلة لإثراء المحتوى وخلق المنافسة بين الناشرين وتوفير اختيارات متنوعة. وهذا منطق مفهوم نظريا. لكن حين يتحول التنوع إلى عشرات العناوين المختلفة للمستوى نفسه، وتصبح كل مؤسسة مرتبطة بمرجع معين، فإننا لا نكون أمام تعدد تربوي فقط، بل أمام سوق مجزأة إلى حصص صغيرة ومغلقة نسبيا.
فالأسرة لا تستطيع اختيار الكتاب الأرخص أو الأكثر توفرا لأنها مقيدة باختيار المؤسسة. والمكتبة لا تستطيع دائما ضمان جميع المراجع لأن الطلب موزع بين عناوين كثيرة. والناشر يطبع بناء على تقديرات قد لا تصيب دائما. والنتيجة أن اختفاء مقرر واحد في الأسبوع الأول قد يدفع الأسر إلى البحث عنه في نصف المدينة.
لذلك يبدو التفكير في كتاب مرجعي أساسي موحد أو في عدد محدود من المراجع خيارا يستحق الدراسة الجدية، دون أن يعني ذلك خنق الاجتهاد التربوي. يمكن أن يكون هناك أساس وطني مشترك ومستقر ومعقول الثمن، مع ترك المجال للمؤسسات والأساتذة لإضافة موارد اختيارية أو رقمية أو أنشطة خاصة.
فإذا كان جميع الأطفال سينتهون في النهاية إلى تعلم العمليات الحسابية نفسها، وقواعد اللغة الأساسية نفسها، والكفايات الوطنية نفسها، فمن المشروع أن نسأل إلى أي حد يخدم التعدد الكبير جودة التعليم، وإلى أي حد يخدم فقط توسيع سوق النشر المدرسي.
التلميذ الذي يبدأ كل شتنبر من الصفر
ومن الآثار الجانبية لهذا النموذج أنه أضعف ثقافة إعادة استعمال الكتب واللوازم. قبل سنوات، كان الكتاب المدرسي ينتقل بسهولة من الأخ الأكبر إلى الأصغر، أو من قريب إلى آخر، وكانت أسواق الكتب المستعملة تخفف كثيرا من أعباء الدخول المدرسي.
أما اليوم، فمع انتشار كتب الأنشطة التي يكتب الطفل داخلها مباشرة، والحزم التي تجمع كتاب التلميذ ودفتر التمارين، وتغيير بعض الطبعات والمراجع، أصبحت إمكانية إعادة الاستعمال أكثر محدودية. يتحول الكتاب إلى منتج عمره سنة واحدة، ثم يبدأ الجميع في شتنبر التالي من نقطة الصفر.
الأمر نفسه ينطبق على الأدوات. قد يكون لدى الطفل مقلمة جيدة وأقلام تلوين لم تنته ومسطرة وملفات صالحة، لكن حين تحدد اللائحة ألوانا وأحجاما وعلامات مختلفة قد تضطر الأسرة إلى الشراء من جديد. وهكذا تصبح المدرسة، دون قصد أحيانا، جزءا من ثقافة استهلاك تتعارض مع ما نعلم أبناءنا عن الاقتصاد في الموارد وعدم التبذير.
الأسرة هي الحلقة التي تدفع دائما
سياسيا، تكمن المشكلة هنا. فالأسرة توجد في آخر سلسلة طويلة من القرارات لكنها تتحمل نتيجتها المالية كاملة. المؤسسة تختار، والناشر يحدد، والموزع يوزع، والمكتبة تبيع، وفي النهاية يمد الأب يده إلى محفظته.
إذا اختارت المدرسة كتابا أجنبيا مرتفع الثمن، الأسرة تدفع. وإذا تضخمت اللائحة، الأسرة تدفع. وإذا اختفى مقرر واضطر ولي الأمر إلى التنقل عبر المدينة، الأسرة تدفع ثمن الوقود والوقت. وإذا تغيرت الطبعة وتعذر إعادة استعمال الكتاب القديم، الأسرة تدفع من جديد.
لذلك لا ينبغي النظر إلى القرارات التعليمية من زاوية بيداغوجية محضة. لكل قرار تربوي تكلفة اقتصادية واجتماعية، والسياسة التعليمية الجيدة هي التي توازن بين جودة التعلم وقدرة المجتمع على تحمل ثمنه.
بل إن الحساب هنا أكثر أهمية مما يبدو. فزيادة مائة درهم فقط في تكلفة الدخول المدرسي لا تعني شيئا كبيرا حين ننظر إلى أسرة واحدة، لكنها إذا شملت مليون تلميذ تصبح مائة مليون درهم خرجت من ميزانيات الأسر. وهكذا ينبغي أن تحسب السياسات العمومية أثر قراراتها.
ليس كل ما هو قانوني أخلاقيا
لكن المشكلة، في النهاية، ليست اقتصادية فقط. هناك شيء أكثر إزعاجا: التناقض بين القيم التي ندرسها لأطفالنا والسلوك الذي قد يشاهدونه حول مدرستهم.
نطلب من الطفل أن يحفظ دروسا عن الصدق والأمانة والمواطنة وعدم الغش، ثم قد يخرج والده للبحث عن كتاب فيكتشف أنه مخفي لإجباره على شراء أشياء أخرى. نعلمه عدم الإسراف، ثم نطالبه بأدوات جديدة رغم أن القديمة لا تزال صالحة. نشرح له مفهوم التضامن، ثم يرى حاجة الناس تتحول إلى فرصة لتحقيق ربح إضافي.
الطفل لا يتعلم مما يقرأه في المقرر وحده؛ إنه يتعلم أيضا مما يراه في حياة الكبار. وأحيانا يكون درس واحد يراه أمام مكتبة أقوى من عشر صفحات عن القيم في كتاب التربية الإسلامية.
وفي ثقافتنا الدينية لم يكن الربح في التجارة مذموما يوما. لكن الربح شيء، واستغلال حاجة الناس شيء آخر. التجارة في الإسلام مرتبطة بالصدق والبيان والرضا وعدم الغش، وفي الحديث النبوي: “من غشنا فليس منا”.
لذلك يبدو مؤسفا أن تصبح مناسبة مرتبطة بالعلم والتربية فرصة لممارسات تناقض القيم التي نريد أن يتعلمها أبناؤنا داخل المدرسة نفسها.
المسؤولية لا تقع على المكتبة وحدها
مع ذلك، من الخطأ اختزال المشكلة كلها في صاحب مكتبة أو مدرسة خاصة. ما يحدث هو نتيجة سلسلة كاملة تحتاج إلى إعادة النظر.
الوزارة مسؤولة عن هندسة سوق الكتاب المدرسي وعن معايير اعتماده. المؤسسات مسؤولة عن عقلنة لوائحها وتبرير اختياراتها. الناشرون والموزعون مسؤولون عن ضمان التوفر واحترام قواعد المنافسة. المكتبات مسؤولة عن احترام المستهلك وعدم استغلال الندرة. وأجهزة المراقبة مطالبة بأن يكون حضورها أقوى في الأسابيع التي تبلغ فيها هذه السوق ذروتها.
أما الأسرة فلا ينبغي أن تظل الطرف الوحيد المطلوب منه أن يؤدي ويسكت.
من حق ولي الأمر أن يسأل لماذا يحتاج ابنه إلى هذا الكتاب، ولماذا هذه العلامة التجارية، ولماذا هذه الكمية، ولماذا لا يمكن استعمال أدوات السنة الماضية، ولماذا يختلف ما يحتاجه طفله جذريا عن طفل آخر يدرس المستوى نفسه.
هذه الأسئلة ليست تدخلا في العمل التربوي، بل جزء من علاقة سليمة بين المدرسة والأسرة.
نحتاج إلى لائحة تربوية لا إلى قائمة مشتريات
يمكن معالجة جزء كبير من المشكلة بقواعد بسيطة. أن تنشر المؤسسات لوائحها مبكرا، وأن تفصل بوضوح بين ما هو إلزامي وما هو اختياري. وأن تحدد المواصفات بدلا من العلامات التجارية كلما أمكن ذلك. وأن تبرر الكتب والمراجع الإضافية مرتفعة الثمن، وأن تخضع اللوائح في نهاية كل سنة لتقييم بسيط يقارن بين ما طُلب وما استُعمل فعلا.
ويمكن أيضا إنشاء قاعدة وطنية واضحة للمقررات المعتمدة وأسعارها وناشريها، بحيث يعرف ولي الأمر أين يجد الكتاب وبأي سعر تقريبي، بدل أن يدخل كل شتنبر في رحلة بحث جديدة.
كما أن إعادة التفكير في تعدد المقررات أصبحت مسألة تستحق نقاشا وطنيا هادئا: ليس من أجل العودة إلى نموذج جامد، وإنما للوصول إلى حد معقول من التوحيد والاستقرار يضمن العدالة ويخفض الكلفة دون التضحية بجودة التعليم.
فالمدرسة ينبغي أن تعلم أبناءنا الاستهلاك المسؤول، لا أن تصبح بوابة إلى استهلاك غير مبرر.
حين تصبح المدرسة مدخلا إلى السوق
الدخول المدرسي ليس مجرد موسم تجاري آخر. إنه لحظة تقول فيها الدولة والمجتمع إنهما يستثمران في مستقبل أبنائهما. ولذلك فإن السوق التي تنشأ حول هذه اللحظة يجب أن تكون أكثر أخلاقا وانضباطا، لا أقل.
ليس المطلوب أن تتوقف المكتبات عن الربح، ولا أن تتخلى المدارس عن مشاريعها الخاصة، ولا أن يتوقف الناشرون عن الابتكار. المطلوب فقط أن يظل الطفل هو مركز العملية، وأن تكون حاجته إلى التعلم أقوى من حاجة السوق إلى البيع.
وعندها تصبح الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها كل شتنبر واضحة:
لماذا يحتاج تلميذ إلى خمسة دفاتر في مدرسة وخمسة عشر في أخرى وهو يدرس المستوى نفسه؟
لماذا تتحول بعض العلامات التجارية إلى شروط في لوائح مدرسية؟
ومن يقرر أن كتابا في اللغة الإنجليزية لطفل في المستوى الثالث يستحق 255 درهما، وهل دُرست بدائله وكلفته على الأسرة؟
ما القيمة البيداغوجية الحقيقية لكل هذا التعدد في المقررات؟
ولماذا تتحمل الأسرة دائما ثمن الاختيارات التي يتخذها الآخرون؟
ومن يراقب الخط الفاصل بين الحرية البيداغوجية والمصلحة التجارية، وبين الربح المشروع واستغلال حاجة الناس؟
لكن السؤال الأكبر يبقى أخلاقيا قبل أن يكون اقتصاديا:
إذا كانت المدرسة هي المكان الذي نريد أن يتعلم فيه أبناؤنا الصدق والاعتدال والعدل والمواطنة، فهل من المقبول أن يبدأ أول درس عملي في كل موسم دراسي بالبحث عن كتاب مخفي، أو شراء أشياء لا نحتاجها، أو الخضوع لعلامة تجارية لا نعرف لماذا اختيرت؟
ربما لا تحتاج المدرسة المغربية إلى مزيد من الدروس النظرية في الأخلاق.
ربما تحتاج فقط إلى أن يكون المجتمع المحيط بها أكثر انسجاما مع الأخلاق التي تطلب من أطفالنا أن يحفظوها.
Kasbah News Kasbah News