بقلم م إدريس صرصاري
بين مرآب تحت أرضي وعلامات منع فوق الأرض.. من يدفع ثمن تنظيم المدينة؟
لم يكد المواطن المراكشي يستفيق من صدمة أسعار المحروقات، التي باتت تلتهم جزءا مهما من دخله، حتى وجد نفسه أمام فاتورة جديدة لم تكن ضمن حساباته الشهرية: فاتورة ركن سيارته بالقرب من مقر عمله. ففي الوقت الذي يواجه فيه الموظفون والمستخدمون والعمال ارتفاع تكاليف المعيشة والتنقل، استفاق مرتادو حي جليز على واقع جديد عنوانه انتشار علامات منع الوقوف في عدد من شوارعه الرئيسية، مقابل افتتاح مرآب تحت أرضي بتسعيرة قد تجعل البعض يتساءل: هل أصبح علينا أن ندفع مقابل الذهاب إلى العمل، ثم ندفع مرة أخرى لنترك سياراتنا حتى ننتهي منه؟
والحديث هنا ليس عن سائح يقضي ساعة في التسوق، أو زائر جاء لتناول فنجان قهوة، بل عن مواطن يغادر منزله كل صباح بحثا عن رزقه، ويقضي ست أو ثماني ساعات، وربما أكثر، داخل مقر عمله. هذا المواطن لم يعد مطالبا فقط بتوفير ثمن الوقود والصيانة والتأمين، بل قد يجد نفسه مضطرا إلى اقتطاع مبلغ إضافي من أجرته مقابل ركن سيارته، وكأن راتبه الشهري أصبح شريكا فيه مع محطة الوقود والمرآب، قبل أن يصل ما تبقى منه إلى أسرته والتزاماته المعيشية.
مرآب جديد.. حل للأزمة أم فاتورة إضافية؟
لا أحد ينكر أن مدينة بحجم مراكش، وبمكانة جليز الاقتصادية والتجارية والسياحية، تحتاج إلى مشاريع عصرية لتنظيم حركة السير والوقوف. ولا شك أن افتتاح المرآب تحت أرضي بساحة 16 نونبر، بطاقة استيعابية تبلغ 429 سيارة، يشكل إضافة مهمة للبنية التحتية للمدينة، يمكن أن تساهم في تخفيف الازدحام وتحسين المشهد الحضري وتوفير فضاء منظم وآمن للمركبات.
لكن أهمية المشروع لا تعفي من مناقشة كلفته الاجتماعية. فالوقوف لمدة ثماني ساعات يكلف 25 درهما، أي 550 درهما شهريا لمن يعمل 22 يوما ويؤدي التعريفة اليومية، فيما يبلغ الاشتراك الشهري النهاري 420 درهما. وهي مبالغ قد تبدو عادية للبعض، لكنها ليست كذلك بالنسبة إلى مستخدم محدود الدخل، أو موظف تتوزع أجرته بين السكن والتمدرس والالتزامات الأسرية ومصاريف التنقل.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل روعيت القدرة الشرائية للفئات التي تحتاج إلى الوقوف اليومي عند تحديد التعريفة؟ وهل من الإنصاف إخضاع الموظف الذي يترك سيارته طوال ساعات عمله لمنطق التسعير نفسه الذي يخضع له الزائر العابر؟ ثم أليس من الممكن اعتماد اشتراكات مهنية واجتماعية أكثر ملاءمة، تجعل المرآب مرفقا في خدمة المواطن بدل أن يتحول إلى عبء إضافي على أجرته؟
علامات منع الوقوف.. لماذا امتدت إلى شوارع بعيدة عن المرآب؟
قد يكون من المفهوم منع الوقوف في بعض المحاور التي تعرف اختناقا مروريا أو تعرقل فيها السيارات حركة السير والراجلين. لكن ما يثير التساؤل هو انتشار علامات منع الوقوف في عدد من الشوارع الرئيسية بجليز، بما فيها محاور بعيدة عن المرآب الجديد، وكأن المنطقة بأكملها بصدد تغيير جذري في طريقة تدبير مواقف السيارات.
فإذا كان المرآب يتسع لـ429 سيارة، فكم عدد أماكن الوقوف التي فقدتها شوارع جليز نتيجة علامات المنع الجديدة؟ وهل تكفي طاقته الاستيعابية لتعويضها، فضلا عن استقبال سيارات العاملين والتجار والزبناء والزوار؟ وعلى أي أساس اختيرت الشوارع التي شملها المنع؟ وهل تستوجب جميعها هذا الإجراء، أم أن بعضها يسمح بتنظيم الوقوف دون الإضرار بانسيابية المرور؟
والأهم من ذلك، ما البديل المتاح للمواطن الذي يعمل بعيدا عن المرآب؟ هل عليه أن يدفع ثمن الوقوف ثم يقطع مسافة إضافية للوصول إلى عمله، أم يبحث عن مكان في الأزقة والأحياء المجاورة، لينقل إليها الازدحام الذي نسعى إلى معالجته؟
إن تنظيم السير ضرورة لا نقاش فيها، لكن نجاحه لا يقاس بعدد علامات المنع التي تثبت على الأرصفة، وإنما بمدى قدرته على تسهيل حياة الناس. أما إذا كانت النتيجة مجرد نقل السيارات من الشوارع إلى مرآب مؤدى عنه، دون بدائل كافية وميسرة، فإن السؤال يصبح مشروعا حول مدى تحقيق هذه الإجراءات للتوازن المطلوب بين المصلحة العامة والقدرة الشرائية للمواطنين.
أين اختفت السترات الصفراء.. ومن كان يرخص لأصحابها؟
ومن المفارقات اللافتة كذلك أن شوارع جليز، التي اعتاد مرتادوها مشاهدة حراس السيارات منتشرين على جنباتها، عرفت تغيرا ملحوظا في حضور هؤلاء الحراس، حتى بدا أن بعضهم اختفى بين ليلة وضحاها.
وهنا تبرز أسئلة لا تقل أهمية عن كلفة الوقوف: هل كان هؤلاء الحراس يمارسون نشاطهم بناء على تراخيص قانونية؟ وإذا كانوا مرخصين، فما مصير تراخيصهم؟ وهل انتهت صلاحيتها أم جرى سحبها في إطار إعادة تنظيم الوقوف؟ أما إذا كان بعضهم يعمل دون ترخيص، فكيف استمر هذا الوضع لسنوات، وأين كانت المراقبة المفترض أن تضمن الاستغلال القانوني للملك العمومي؟
ثم هناك سؤال اجتماعي لا ينبغي تجاهله: ما مصير هؤلاء الحراس إذا كانوا قد فقدوا بالفعل مصدر رزقهم نتيجة الإجراءات الجديدة؟ فبصرف النظر عن ضرورة تنظيم القطاع ومحاربة الاستغلال غير المشروع للملك العمومي، يبقى وراء بعض تلك السترات الصفراء أشخاص وأسر تعتمد على هذا النشاط لتأمين قوتها اليومي.
إن فرض احترام القانون واجب، لكن التنظيم الجيد هو الذي لا يكتفي بإزالة مظاهر الاختلال، بل يفكر أيضا في انعكاسات قراراته على الأشخاص الذين قد يتضررون منها، ويدرس إمكانية توفير بدائل مهنية لمن تتوفر فيهم الشروط.
جليز ليست مجرد شوارع ومواقف.. إنها فضاء اقتصادي واجتماعي
قد تبدو القضية للوهلة الأولى مجرد خلاف حول تسعيرة مرآب أو علامات مرورية، لكنها في الواقع تتجاوز ذلك إلى طبيعة تصورنا للمدينة وكيفية تدبير فضاءاتها العمومية. فجليز ليست فقط شوارع وسيارات، بل منطقة اقتصادية وتجارية وإدارية يعيش من حركيتها آلاف العاملين والمهنيين والتجار.
ومن حق السلطات تنظيم الوقوف والحد من الفوضى وتحرير الأرصفة، لكن من حق أصحاب المحلات والمقاهي والمطاعم أيضا أن تؤخذ مصالحهم بعين الاعتبار. فارتفاع كلفة الوقوف أو صعوبة العثور على مكان قريب قد يدفع بعض الزبناء إلى تغيير وجهتهم، أو تقليص مدة زيارتهم، بما قد ينعكس على النشاط التجاري. وفي المقابل، فإن التنظيم الجيد قد يعزز جاذبية المنطقة ويشجع الإقبال عليها، إذا وفر سهولة الولوج ومواقف مناسبة وحركة سير أكثر انسيابية.
لذلك فإن المطلوب ليس رفض المشروع أو المطالبة بعودة الفوضى، وإنما إخضاع القرارات لتقييم شامل يوازن بين فوائدها المرورية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية. فمداخيل المرآب، مهما بلغت، لا ينبغي أن تكون المعيار الوحيد للحكم على نجاحه، لأن قيمة المرافق العمومية تقاس كذلك بما توفره من خدمات وبمدى مساهمتها في تحسين الحياة اليومية للمواطنين.
تنظيم عادل بدل المنع الشامل
لعل الحل لا يكمن في الاختيار بين فوضى الوقوف والأداء الإجباري، وإنما في اعتماد سياسة متوازنة تقوم على الإبقاء على المواقف المنظمة في الشوارع التي تسمح بذلك، وتخصيص اشتراكات مخفضة للعاملين بالمنطقة، ودراسة إمكانية إقرار فترات مجانية محدودة، مع توفير مواقف بديلة خارج المحاور المزدحمة وتحسين الربط بينها وبين مناطق العمل والتجارة.
كما أن من حق المواطنين معرفة المعايير التي استندت إليها قرارات منع الوقوف، وعدد الأماكن التي جرى إلغاؤها، ومدى كفاية البدائل المتاحة. ومن المفيد إشراك ممثلي السكان والتجار والمهنيين في تقييم هذه الإجراءات، لأن القرارات الحضرية تكون أكثر نجاحا عندما تنطلق من حاجيات مستعملي المدينة، لا من تصور تقني بمعزل عن واقعهم اليومي.
ختاما.. من أجل مدينة منظمة لا مدينة مكلفة
ليس المطلوب أن تتحول شوارع جليز إلى مرائب مفتوحة، ولا أن تتوقف مراكش عن تحديث بنيتها التحتية، بل أن يكون هذا التحديث في خدمة المواطن، لا على حساب قدرته الشرائية. فالمرآب الجديد مشروع يمكن تثمينه، وتنظيم الوقوف ضرورة يمكن تفهمها، لكن ذلك لا يمنع التساؤل عن التسعيرة، وامتداد علامات المنع، ومصير حراس السيارات، والبدائل المتاحة للموظفين والمستخدمين والتجار.
إن المدينة العصرية ليست فقط تلك التي تشيد المرائب تحت الأرض وتضع علامات المنع فوقها، وإنما تلك التي تنجح في التوفيق بين جمالية شوارعها وانسيابية حركة السير وحقوق مستعمليها، دون أن تجعل من الوصول إلى العمل أو قضاء المصالح اليومية امتيازا لمن يستطيع دفع المزيد.
ويبقى السؤال الذي نوجهه إلى القائمين على تدبير الشأن المحلي بمراكش: هل شيدنا مرآبا لتخفيف أزمة الوقوف عن المواطنين، أم أصبح المواطن مطالبا بتحمل كلفة إضافية حتى يجد مكانا لسيارته؟
فالمواطن الذي يغادر منزله كل صباح بحثا عن لقمة العيش، لا ينبغي أن يعود آخر الشهر ليكتشف أن جزءا من أجرته ذهب ثمنا لمجرد السماح لسيارته بانتظاره حتى ينتهي من عمله.
Kasbah News Kasbah News