أخبار عاجلة

الجريمة أمام الجميع… والشاهد لا أحد

بقلم: م إدريس صرصاري

قد يقع الاعتداء في شارع مزدحم، أو أمام مقهى، أو داخل إدارة، أو في وسيلة نقل، وقد يكون الحاضرون كثيرين إلى درجة تجعل الضحية تعتقد للحظة أن الحقيقة لن تضيع. عيون كثيرة شاهدت، وهواتف ربما صورت، وأشخاص اقتربوا يسألون عما حدث، وآخرون أخذوا يناقشون من المخطئ ومن المصيب. لكن ما إن تنتهي اللحظة الأولى، وتبدأ مرحلة البحث عن شاهد يروي أمام الجهات المختصة ما رآه، حتى يتغير المشهد تماما، ويظهر ذلك الجواب الذي أصبح مألوفا: «سمح لي، لا أريد الدخول في المشاكل».

هنا لا يعود السؤال متعلقا بالاعتداء وحده، بل بما يحدث حوله. فالجريمة قد يرتكبها شخص واحد، لكن ترك الضحية وحيدة بعد وقوعها قد يكون نتيجة سلوك جماعي. والمفارقة أن مجتمعا كاملا قد يستنكر الظلم نظريا، ويتحدث عن انعدام الأمن أو انتشار الاعتداءات أو غياب العدالة، لكنه عندما تتاح لأحد أفراده فرصة بسيطة للمساهمة في إظهار الحقيقة، قد يفضل الانسحاب وكأن ما شاهده لا يعنيه.

فهل نحن أمام مجرد سلوك اجتماعي يمكن لوم صاحبه أخلاقيا؟ أم أن للمسألة وجها قانونيا أيضا؟ وهل يكفي أن نطالب المواطن بالتبليغ والشهادة دون أن نسأل في المقابل عن الحماية التي سيحصل عليها عندما يقرر ألا يصمت؟

من مجتمع الشهود إلى مجتمع المتفرجين

لعل أخطر ما يمكن أن نعتاد عليه ليس وقوع المنكر نفسه، وإنما تحوله إلى مشهد عادي. شخص يعتدى عليه والآخرون يتفرجون، امرأة تتعرض للعنف وسط شارع مزدحم، طفل يتعرض لسوء معاملة، موظف يرى تجاوزا، أو مواطن يشاهد ظلما واضحا، بينما تتحول الواقعة بالنسبة لمن حولها إلى مشهد عابر ينتهي بمجرد ابتعادهم عن المكان.

والمثير أن وسائل التكنولوجيا أضافت مفارقة أخرى. ففي أحيان كثيرة نجد من يخرج هاتفه لتصوير الحادث قبل أن يفكر في طلب النجدة، وقد ينتشر الفيديو لاحقا بين عشرات أو آلاف الأشخاص، بينما يبقى السؤال الأهم بلا جواب: من سيتقدم ليقول للجهات المختصة «كنت هناك ورأيت ما حدث»؟

ربما أصبح التصوير بالنسبة للبعض بديلا نفسيا عن التدخل؛ يشعر الشخص أنه قام بشيء لأنه وثق الواقعة، لكنه قد يحتفظ بالتسجيل لنفسه أو ينشره على وسائل التواصل الاجتماعي ثم يرفض التواصل مع الضحية أو السلطات. وهكذا ننتقل من شاهد يمكن أن يساعد في كشف الحقيقة إلى متفرج يمتلك جزءا منها لكنه لا يريد تحمل أي مسؤولية تجاهها.

«ما بغيتش المشاكل»… هل هو خوف أم تخلي عن المسؤولية؟

سيكون من السهل جدا أن نحاكم هؤلاء أخلاقيا ونصفهم بالجبن أو اللامبالاة، لكن الواقع أكثر تعقيدا. فكثير ممن يمتنعون عن الشهادة لا يفعلون ذلك بالضرورة لأنهم يقبلون الظلم، وإنما لأنهم يخشون ما قد يأتي بعد الشهادة: استدعاءات، تنقل إلى مصالح الشرطة أو المحكمة، مواجهة المعتدي، احتمال الانتقام، أو الخوف من التحول من شاهد إلى شخص يجد نفسه وسط نزاع لا يعرف متى سينتهي.

هناك أيضا تصور متجذر لدى جزء من المجتمع يعتبر الابتعاد عن «مشاكل الآخرين» نوعا من الحكمة. منذ الصغر يسمع البعض عبارات من قبيل «ما تدخلش»، و«خليك بعيد»، و«شفت شي حاجة ما شفت والو». ومع الوقت قد تتحول هذه النصائح التي نشأت أصلا من الرغبة في تجنب الصراعات إلى ثقافة صمت تجعل المعتدي أكثر جرأة والضحية أكثر عزلة.

لكن تفهم أسباب الخوف لا يعني تبرير كل صمت. فهناك فرق بين شخص يخشى التدخل الجسدي في مواجهة قد تعرض حياته للخطر، وبين شخص شاهد واقعة بأمان ثم رفض حتى الإدلاء بما رآه. كما أن هناك فرقا بين تجنب المخاطرة وبين إدارة الظهر لإنسان قد تكون شهادتنا وحدها قادرة على إنصافه.

عندما يصبح الحياد في مصلحة المعتدي

نحب جميعا أن نصف أنفسنا بأننا ضد الظلم، غير أن مقاومة الظلم لا تختبر في الكلمات، بل في اللحظة التي تصبح فيها للحقيقة كلفة صغيرة أو كبيرة. فالشاهد الذي يصمت لا يصبح بالضرورة شريكا قانونيا في الجريمة، لكن صمته قد ينتج عمليا أثرا يخدم مرتكبها.

المعتدي يحتاج في كثير من الأحيان إلى شيء واحد فقط: ألا يستطيع الضحية إثبات ما وقع. وإذا كانت الجريمة قد حدثت بعيدا عن كاميرات المراقبة، ولا توجد وثائق أو تسجيلات واضحة، فإن شهادة شخص محايد قد تتحول إلى عنصر حاسم في البحث عن الحقيقة.

وهنا تظهر خطورة العبارة الشهيرة: «أنا لا علاقة لي». ففي مجتمع منظم بالقانون، هناك أشياء تعنينا جميعا ولو لم نكن طرفا مباشرا فيها. الاعتداء على شخص في الشارع ليس شأنا خاصا بين المعتدي والمعتدى عليه فقط، لأن قبول العنف والصمت عنه يغير مستوى الأمان الذي يعيش فيه الجميع.

والسؤال البسيط الذي قد يقلب نظرتنا إلى الأمر هو: ماذا لو كنت أنا الضحية غدا؟ هل سأقبل أن يقول خمسة أو عشرة أشخاص شاهدوا الاعتداء علي إنهم لا يريدون المشاكل؟ وهل سأعتبر موقفهم حيادا، أم سأشعر بأنني تعرضت لاعتداء مرتين: مرة من المعتدي، ومرة من صمت من كان يستطيع مساعدتي في إثبات الحقيقة؟

القانون لا يرى المواطن مجرد متفرج

الأمر في التشريع المغربي لا يقف دائما عند حدود الواجب الأخلاقي. فقانون المسطرة الجنائية ينص في المادة 43 على واجب إبلاغ وكيل الملك أو الوكيل العام للملك أو الشرطة القضائية بالنسبة لمن شاهد أو علم بارتكاب جريمة تمس بالأمن العام أو بحياة شخص أو أمواله. كما يضع القانون التزاما خاصا على السلطات والموظفين الذين تصل إلى علمهم أثناء ممارسة مهامهم وقائع إجرامية، وفق الشروط التي يحددها القانون.

وتتضح فلسفة المشرع أكثر عندما ننتقل إلى القانون الجنائي. فالفصل 430 يتناول حالة الشخص الذي يستطيع، دون أن يعرض نفسه أو غيره للخطر، أن يمنع بتدخله وقوع جناية أو جنحة تمس السلامة البدنية للأشخاص ثم يمتنع عمدا عن ذلك. كما يعاقب الفصل 431 من يمتنع عمدا عن تقديم مساعدة لشخص في خطر متى كان يستطيع تقديمها دون تعريض نفسه أو غيره للخطر.

واللافت في الفصل الأخير أن المساعدة لا تعني بالضرورة التدخل الجسدي. فقد تكون بطلب الإغاثة. وهذه نقطة تستحق التأمل، لأن القانون لا يطلب من مواطن أعزل أن يواجه شخصا مسلحا، ولا أن يلقي بنفسه وسط خطر حقيقي، وإنما يرفض أن يتحول الخوف إلى ذريعة لعدم القيام حتى بما يمكن فعله بأمان، مثل الاتصال بالشرطة أو طلب الإسعاف أو الاستنجاد بمن يستطيع التدخل.

إذن، المسألة ليست دعوة إلى البطولة أو التهور. المطلوب هو الحد الأدنى من التضامن الذي يمكن ممارسته دون تعريض النفس للخطر.

وعندما تستدعيك المحكمة لم تعد الشهادة مجرد مجاملة

هناك أيضا فارق بين شخص شاهد واقعة في الطريق وبين شخص أصبح شاهدا مستدعى في ملف قضائي. فقانون المسطرة الجنائية يقرر أن من يتم استدعاؤه بصفته شاهدا يتعين عليه الحضور، وأداء اليمين عند الاقتضاء، والإدلاء بشهادته، كما أن القانون يرتب آثارا على عدم الحضور ويجرم شهادة الزور.

وهنا ينبغي تصحيح تصور شائع لدى البعض، وهو أن الشهادة خدمة اختيارية يقدمها المواطن للضحية إذا أراد. عندما تدخل القضية إلى القضاء ويتم استدعاء الشخص بصفة قانونية، نكون أمام واجب تنظمه المسطرة القضائية، لأن العدالة لا تستطيع بناء قراراتها على الانطباعات أو ما يتداوله الناس خارج المحكمة، بل تحتاج إلى أدلة وأقوال يمكن مناقشتها والتحقق منها.

وفي المقابل، فإن الشهادة المطلوبة ليست انحيازا للضحية ولا اتهاما مسبقا للطرف الآخر. واجب الشاهد ليس أن يساعد هذا الطرف أو ذاك، بل أن يقول ما رآه كما رآه، دون زيادة أو نقصان. وقد تكون الشهادة في النهاية لمصلحة المتهم مثلما قد تكون لمصلحة المشتكي. الشاهد يخدم الحقيقة قبل أن يخدم أي شخص.

لكن من يحمي الشاهد عندما يتكلم؟

هنا نصل إلى الجانب الذي ينبغي ألا نتجاهله ونحن نطالب الناس بالشجاعة. فمن غير المنصف أن نقول للمواطن «بلغ واشهد» ثم نستهين بسؤاله المشروع: «ومن سيحميني إن تعرضت للتهديد؟».

التشريع المغربي يتضمن مقتضيات لحماية الشهود والخبراء والمبلغين في حالات محددة. ويتيح قانون المسطرة الجنائية للشاهد، عندما توجد أسباب جدية تجعله يخشى على حياته أو سلامته الجسدية أو مصالحه الأساسية أو سلامة أفراد أسرته وأقاربه، طلب اتخاذ تدابير حماية من الجهات القضائية المختصة.

وتشمل التدابير التي يتيحها القانون، بحسب طبيعة القضية وشروط تطبيق النصوص المعنية، وسائل لحماية بيانات الشاهد وعنوانه في بعض الجرائم، وإمكانية وضع رقم هاتفي خاص للشرطة القضائية رهن إشارته للإبلاغ بسرعة عن أي تهديد، وإخضاع الهاتف للمراقبة بموافقته عندما تقتضي الحماية ذلك، إضافة إلى إمكانية توفير حماية جسدية بواسطة القوة العمومية.

كما خص المشرع المبلغين في بعض الجرائم بمقتضيات للحماية عندما يكون التبليغ مبنيا على أسباب وجيهة ويتم بحسن نية، مع إمكانية طلب عدد من التدابير الحمائية المنصوص عليها في القانون. ويمكن أن تستمر تدابير الحماية حتى بعد صدور الحكم إذا ظلت الضرورة قائمة.

لكن من المهم أيضا ألا نقدم هذه الحماية وكأنها مطلقة وتلقائية في كل ملف. فالقانون يربط بعض التدابير بشروط وبطبيعة الجرائم وبوجود أسباب جدية تبررها. وهذا بالضبط ما يفتح الباب أمام سؤال آخر: هل يعرف المواطن هذه الحقوق أصلا؟ وهل يعرف كيف يطلب الحماية؟ وهل يشعر في الواقع العملي أن اللجوء إليها سهل وسريع بما يكفي ليطمئنه؟

الحماية ليست نصوصا فقط… بل ثقة

قد تكون لدينا أفضل القوانين، لكن المواطن الذي لا يعرفها لن يستفيد منها. وقد تكون لدينا آليات للحماية، لكن إذا كان الشاهد مقتنعا مسبقا بأنه سيترك وحده عند أول تهديد، فإن الخوف سيتغلب على واجب الشهادة.

لذلك لا يمكن معالجة ظاهرة الصمت بالعقوبة والوعظ فقط. نحتاج أيضا إلى نشر ثقافة قانونية تشرح للناس الفرق بين التبليغ والشهادة، وتوضح متى يصبح التدخل واجبا ومتى يكون الخطر مبررا للابتعاد، وتعرف المواطن بالجهة التي يمكنه اللجوء إليها إذا تعرض للضغط أو التهديد بسبب ما أدلى به.

كما ينبغي التفكير دائما في تبسيط علاقة الشاهد بالإجراءات القضائية قدر الإمكان. فكلما شعر المواطن أن الشهادة ستدخله في مسار طويل ومعقد ومكلف، زادت احتمالات تهربه منها. حماية الشاهد تبدأ بحمايته من الانتقام، لكنها تمر أيضا عبر احترام وقته وكرامته وتيسير الإجراءات المرتبطة بحضوره وتواصله مع الجهات المختصة.

فالثقة هي العنصر الحاسم. عندما يثق المواطن في أن الدولة ستقف وراءه إذا بلغ بحسن نية، يصبح طلب الشجاعة منه أكثر عدلا ومعقولية.

مجتمع لا يحمي الحقيقة يوسع مساحة الظلم

أخطر ما يمكن أن يحققه المعتدي ليس أن يضرب ضحيته أو يسلبها حقا فقط، وإنما أن يقتنع بأن الآخرين سيشاهدون ثم يصمتون. في تلك اللحظة يصبح الصمت جزءا من البيئة التي تسمح للظلم بالاستمرار.

ولا يعني ذلك أن نحول الشوارع إلى فضاءات يتجسس فيها الناس على بعضهم، ولا أن نشجع الوشايات الكاذبة أو تصفية الحسابات. فالتبليغ المسؤول شيء، والاتهام المجاني شيء آخر تماما. المطلوب هو أن نتوقف عن اعتبار قول الحقيقة «دخولا في مشاكل الآخرين»، وأن ندرك أن أمن المجتمع وحقوق أفراده لا يمكن أن تحميهما الشرطة والمحاكم وحدهما إذا قرر كل من شاهد الواقعة أن ينسحب.

فنحن نطالب يوميا بالأمن والعدالة وسيادة القانون، لكن هذه المنظومة تحتاج أحيانا إلى مواطن يقول ببساطة: نعم، كنت حاضرا، وهذا ما رأيته.

غدا قد تبحث أنت عن ذلك الشاهد

قد تمر اليوم أمام اعتداء وتقرر أن تواصل طريقك. وقد تسمع استغاثة وتعتبر أن غيرك سيتصل بالشرطة. وقد ترى ظلما ثم تقنع نفسك بأنك لا تعرف الضحية ولا المعتدي، وأن أفضل قرار هو ألا «تدخل نفسك في المشاكل».

لكن الحياة لا تمنحنا ضمانا دائما بأن نبقى في صفوف المتفرجين.

قد يأتي يوم تكون فيه أنت من يقف أمام ضابط الشرطة أو أمام المحكمة ويقول: «كان هناك أشخاص شاهدوا كل شيء». ثم تبدأ في البحث عنهم واحدا واحدا، لتكتشف أن الأول لا يريد المشاكل، والثاني لا يتذكر، والثالث لا يريد الحضور، والرابع أغلق هاتفه، والخامس شاهد لكنه فضل أن يبقى بعيدا.

عندها فقط سنفهم أن الشهادة لم تكن يوما مجرد خدمة نقدمها لشخص لا نعرفه، بل مساهمة في بناء المجتمع الذي نريد أن نجد فيه من يشهد لنا عندما نكون نحن في حاجة إلى الحقيقة.

لذلك ربما لا ينبغي أن يكون السؤال: «لماذا أتدخل في أمر لا يعنيني؟»، بل: أي مجتمع سأجد أمامي يوم يصبح الأمر يعنيني أنا؟

فالظلم يستطيع أن يبدأ بفعل فرد واحد، أما مقاومته فتحتاج مجتمعا لا يكتفي بالمشاهدة. ومثلما من حقنا أن نطالب المواطن بعدم الصمت، فمن حق المواطن أيضا أن يطالب الدولة بضمان أن شهادته لن تحوله من شاهد على الخوف إلى ضحية جديدة له.

شاهد أيضاً

انتخابات 2026.. من 2011 إلى اليوم: وجوه تتبادل المقاعد ووعود لا تشيخ فهل نغير نحن ذاكرتنا؟

مع انطلاق الحملة الانتخابية لسنة 2026، تعود الوعود القديمة بعبارات جديدة، فيما تتبادل الأحزاب مواقع الحكومة والمعارضة والمرشحون أحيانا القمصان الحزبية. فهل تكمن أزمة السياسة في البرامج وحدها، أم أيضا في ذاكرة انتخابية قصيرة تسمح بإعادة تقديم الماضي باعتباره مستقبلا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *