في الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن تطور حقوق الإنسان وتحسين ظروف العمل، ويتجه فيه المغرب نحو تعزيز الدولة الاجتماعية وتشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل، لا تزال هناك معاناة يومية يعيشها بعض العمال والعاملات والمستخدمين داخل مؤسسات ومقاولات القطاع الخاص. معاناة قد لا تظهر في التقارير الاقتصادية ولا في أرقام التشغيل، لكنها حاضرة في حياة أشخاص يخرجون كل صباح بحثا عن لقمة العيش، ليجد بعضهم أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما تحمل الإهانة والاستغلال، وإما مواجهة البطالة وما تحمله من ظروف اجتماعية ومادية صعبة.
قد يبدو وصف هؤلاء بعبيد الجيل الجديد تعبيرا قاسيا، لكنه ليس بعيدا عن واقع بعض علاقات الشغل التي تتحول فيها الحاجة إلى العمل إلى وسيلة للضغط والتحكم. فهناك من لا يكتفي بشراء جهد الأجير ووقته مقابل أجر، بل يتصرف وكأنه اشترى حق التصرف في كرامته، مستغلا خوفه من فقدان مصدر رزقه. وبين هذا وذاك، تضيع أحيانا سنوات الدراسة والتكوين، وتتراجع قيمة الكفاءة أمام منطق الربح، ويجد الإنسان نفسه مطالبا بالصمت والتحمل حتى لا يفقد عمله.
والسؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس فقط عن عدد مناصب الشغل التي ننجح في إحداثها، بل أيضا عن طبيعة هذه المناصب ومدى احترامها لكرامة الإنسان. فهل يكفي أن نمنح المواطن فرصة للعمل، أم أن من واجبنا كذلك ضمان ظروف مهنية تحفظ حقوقه وصحته وقيمته داخل المجتمع؟
البطالة في المغرب… حين تتحول الحاجة إلى العمل إلى وسيلة للاستغلال
ليس من السهل أن يقضي الشاب سنوات يبحث عن عمل، يتنقل بين المؤسسات، ويضع سيرته الذاتية في كل فرصة متاحة، ثم يجد نفسه مضطرا إلى قبول شروط مهنية قد لا تتناسب مع مؤهلاته أو تطلعاته. وليس من السهل أيضا أن يرفض أب أو أم عملا يضمن الحد الأدنى من حاجيات الأسرة، حتى إن كان ذلك على حساب الراحة النفسية أو الاحترام الذي يستحقه كل إنسان.
وتزداد هذه الوضعية تعقيدا في ظل استمرار ارتفاع البطالة لدى الشباب. فبحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة بالمفهوم الضيق لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة 27,2 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026. وهو رقم يكشف جانبا من الصعوبات التي يواجهها الشباب في ولوج سوق الشغل، ويساعد على فهم الضغط الذي قد يدفع بعضهم إلى قبول ظروف عمل غير منصفة.
في ظل هذه الأوضاع، قد يتحول الخوف من البطالة إلى أداة ضغط يستعملها بعض المشغلين لفرض شروطهم. ويصبح الأجير مطالبا بإنجاز مهام إضافية، أو العمل لساعات طويلة، أو تحمل تصرفات غير لائقة، دون أن يجد دائما الشجاعة للاعتراض. بل قد يسمع عبارات من قبيل: “إذا لم يعجبك الحال فالباب مفتوح”، أو “هناك العشرات ينتظرون مكانك”، وكأن وجود باحثين آخرين عن العمل يمنح المشغل الحق في إهانة من يعملون لديه.
وهنا تظهر واحدة من أخطر المفارقات الاجتماعية، حين يصبح الحق في العمل نفسه سببا في التنازل عن حقوق أخرى. فالعامل لا يصمت دائما لأنه يقبل بما يتعرض له، وإنما لأنه يعرف أن وراءه أسرة والتزامات لا يمكن تأجيلها، وأن فقدان الوظيفة قد يضعه أمام معاناة أشد من تلك التي يعيشها داخلها.
شهادات عليا وأجور هزيلة… هل فقدت الكفاءة قيمتها في سوق الشغل؟
هناك وجه آخر للمعاناة لا يقل قسوة عن سوء المعاملة، ويتمثل في الأجور التي يتقاضاها بعض أصحاب الشهادات العليا والكفاءات المتخصصة. فبعد سنوات طويلة من الدراسة والتكوين، وبعد ما تتحمله الأسر من مصاريف وتضحيات على أمل ضمان مستقبل أفضل لأبنائها، يجد بعض الخريجين أنفسهم أمام عروض عمل لا تعكس مستوى مؤهلاتهم ولا طبيعة المسؤوليات التي سيضطلعون بها.
فقد نجد مهندسا أو إطارا متخصصا أو تقنيا مؤهلا، يحمل شهادات وخبرات مطلوبة، ويشتغل فعليا في مجال تخصصه، ويتحمل مسؤوليات حقيقية داخل المقاولة، لكنه يتقاضى أجرا زهيدا قد يساوي أو يقل عن أجر شخص آخر بمستوى دراسي أدنى. وليس الإشكال في أن يتقاضى صاحب الخبرة أو المستوى الدراسي الأقل أجرا جيدا، فلكل عمل قيمته، وإنما في أن تستفيد مؤسسة من مؤهلات متخصصة ومسؤوليات كبيرة دون أن تمنح صاحبها مقابلا يتناسب معها.
والغريب أن بعض المؤسسات تشترط في إعلانات التوظيف دبلومات عالية، وإتقان لغات متعددة، وخبرة مهنية، والقدرة على تحمل الضغط والتعامل مع مهام مختلفة، لكنها عندما تصل إلى مسألة الأجر تتصرف وكأن هذه الشروط لا قيمة لها. فهي تريد كفاءة عالية بأقل تكلفة ممكنة، مستفيدة من كثرة المترشحين وحاجة الشباب إلى العمل، حتى يصبح التفاوض حول الأجر قائما على مدى استعداد المترشح للتنازل، وليس على القيمة الفعلية لما سيقدمه.
ولا شك أن الشهادة وحدها لا تكفي لتحديد قيمة الأجر، فهناك الخبرة والكفاءة العملية والمردودية وحجم المسؤولية والوضعية الاقتصادية للمؤسسة. لكن تجاهل هذه العناصر مجتمعة، والاعتماد فقط على ضعف قدرة الأجير على التفاوض، يطرح إشكالا حقيقيا يتعلق بالإنصاف المهني وتثمين الرأسمال البشري الذي تتحدث عنه السياسات العمومية.
وإذا كنا نشجع أبناءنا على الدراسة والاجتهاد والحصول على أعلى الشهادات، فكيف نفسر لهم أن سنوات التحصيل العلمي قد تنتهي بعمل في تخصصهم لا يوفر حتى الحد الأدنى من الاستقرار الذي كانوا يحلمون به؟ وكيف نطلب من الشباب الثقة في مستقبلهم إذا أصبح بعضهم يشعر بأن علمه وخبرته لا يمثلان قيمة حقيقية في سوق الشغل؟
سوء معاملة الأجراء في القطاع الخاص… عندما تصبح الإهانة جزءا من العمل
لا تتوقف بعض التجاوزات عند الأجور الضعيفة أو المهام الإضافية، بل تمتد إلى طريقة التعامل مع الأجراء داخل أماكن العمل. فهناك من يعتقد أن أداء الراتب الشهري يمنحه سلطة مطلقة على مستخدميه، فيسمح لنفسه بالصراخ والتوبيخ أمام الزملاء والزبناء، أو توجيه كلمات جارحة، أو تحميل العامل مسؤولية أخطاء لم يرتكبها، بل قد يصل الأمر في بعض الحالات إلى تكليفه بخدمات شخصية لا تدخل ضمن مهامه المهنية.
وتبدو هذه الممارسات أشد قسوة عندما يكون الأجير في وضعية اجتماعية هشة، أو عندما يتعلق الأمر بعاملة تتحمل مسؤولية إعالة أسرتها، أو بشاب لا يزال في بداية مساره المهني. ففي مثل هذه الحالات، تصبح القدرة على الرفض محدودة، ويتحول الصمت إلى وسيلة لتجنب الطرد أو العقاب أو التضييق داخل مكان العمل.
ومن المهم هنا التمييز بين الصرامة المهنية المشروعة وسوء المعاملة. فمن حق المشغل تنظيم العمل ومراقبة الأداء والمطالبة بالانضباط واحترام الالتزامات، لكن ذلك لا يمنحه الحق في إهانة الأجراء أو الانتقاص من كرامتهم. فالعلاقة المهنية يفترض أن تقوم على حقوق وواجبات متبادلة، لا على اعتبار المشغل صاحب فضل والأجير مدينا له بالطاعة المطلقة.
والمؤسف أن بعض هذه التصرفات قد تتحول مع مرور الوقت إلى ممارسات عادية داخل المؤسسة، يتقبلها الموظفون الجدد بعدما يشاهدون زملاءهم القدامى يصمتون عنها. وهكذا تتشكل بيئة عمل يصبح فيها الخوف أقوى من الحوار، ويصبح الاحتفاظ بالوظيفة أهم من المطالبة بمعاملة إنسانية سليمة.
الصحة النفسية والجسدية للأجراء… الثمن الخفي لضغوط العمل
عندما ينتهي يوم العمل، لا تنتهي بالضرورة معاناة العامل أو العاملة. فهناك من يعود إلى منزله منهكا، يحمل معه آثار التوتر والإهانة والخوف، وهناك من يقضي ليلته يفكر فيما ينتظره في اليوم التالي، أو يقلق من احتمال فقدان وظيفته عند أول خلاف مع المشغل. ومع تكرار هذه الظروف، قد تتأثر جودة النوم والحالة النفسية والعلاقات الأسرية، وقد تتفاقم بعض المشاكل الصحية.
وقد نعتقد أحيانا أن الشخص سريع الغضب داخل أسرته، أو قليل التواصل مع أبنائه، أو فاقد الرغبة في المشاركة في الحياة الاجتماعية، يعاني فقط من مشاكل شخصية. لكننا قد نغفل أن جزءا من معاناته يرتبط بما يعيشه يوميا في محيطه المهني. فالأجير الذي يتحمل ساعات من الضغط النفسي لا يستطيع دائما أن يتخلص من آثارها بمجرد مغادرة مكان العمل.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن بيئات العمل السيئة، بما تتضمنه من أعباء مفرطة وسلوكيات مسيئة وعدم الاستقرار الوظيفي وضعف الأجور، قد تشكل مخاطر على الصحة النفسية. ولا يعني ذلك أن جميع الأمراض النفسية والجسدية سببها العمل، لكنه يبرز ضرورة عدم اختزال السلامة المهنية في الحوادث الجسدية وحدها، وإيلاء المخاطر النفسية الاهتمام الذي تستحقه.
ومن هنا ينبغي ألا ننظر إلى سوء معاملة الأجراء باعتباره مشكلة فردية تنتهي داخل أسوار المقاولة، لأن آثاره قد تمتد إلى الأسرة والمجتمع. فكم من خلاف أسري قد يساهم فيه ضغط العمل؟ وكم من شاب فقد ثقته بنفسه بسبب ما يتعرض له من احتقار أو تبخيس؟ وكم من عامل يستمر في وظيفته رغم إنهاكه النفسي، لأنه لا يملك بديلا آخر؟
مدونة الشغل المغربية وتفتيش الشغل… حقوق على الورق وتحديات في التطبيق
من الناحية القانونية، لا يفتقر المغرب إلى نصوص تنظم علاقات الشغل وتحمي الأجراء. فالمادة 24 من مدونة الشغل تلزم المشغل باتخاذ التدابير اللازمة لحماية سلامة الأجراء وصحتهم وكرامتهم أثناء أداء مهامهم، بينما تعتبر المادة 40 السب الفادح والعنف والاعتداء والتحرش الجنسي من الأخطاء الجسيمة التي يمكن أن يرتكبها المشغل في حق الأجير، مع ما يرتبط بذلك من آثار قانونية وشروط للإثبات.
غير أن وجود المقتضيات القانونية لا يكفي وحده لضمان احترامها، فهناك مسافة بين النص والتطبيق، خصوصا عندما لا يستطيع الأجير المطالبة بحقوقه خوفا من الانتقام أو فقدان عمله. وقد يفضل البعض تحمل الإهانة على تقديم شكاية، إما لعدم معرفته بالمساطر، أو لصعوبة إثبات ما تعرض له، أو لغياب الثقة في قدرته على حماية مصدر رزقه بعد المطالبة بحقوقه.
وهنا تبرز أهمية جهاز تفتيش الشغل، باعتباره إحدى الآليات الأساسية لمراقبة احترام التشريع الاجتماعي. غير أن هذا الجهاز يواجه بدوره تحديات مرتبطة بالموارد البشرية والإمكانات المتاحة مقارنة بحجم النسيج الاقتصادي، وهي إشكالية أثيرت في النقاش البرلماني خلال سنة 2026. ولذلك، فإن الحديث عن فعالية المراقبة ينبغي أن يشمل توفير الوسائل الضرورية للمفتشين، وضمان انتظام الزيارات الميدانية، وسرعة معالجة الشكايات، والوصول إلى المؤسسات التي قد تعرف ممارسات مخالفة للقانون.
أما بالنسبة للأجور، فإن احترام الحد الأدنى القانوني لا يعني بالضرورة تحقيق العدالة في التعويض عن الكفاءة والخبرة والمسؤولية. فقد يكون الأجر قانونيا من حيث قيمته الدنيا، لكنه غير منصف بالنظر إلى طبيعة العمل المطلوب. وهذا الجانب يستدعي نقاشا أوسع حول الاتفاقيات الجماعية وتصنيف الوظائف وأنظمة الأجور، بما يضمن توازنا أفضل بين مصالح المقاولة وحقوق مواردها البشرية.
أرباح المقاولات وكرامة العمال… أين تبدأ المسؤولية الأخلاقية للمشغل؟
من غير المنصف تقديم القطاع الخاص كله في صورة واحدة، فهناك مقاولات تحترم مستخدميها، وتوفر لهم أجورا وظروف عمل مناسبة، وتستثمر في تكوينهم وتطوير كفاءاتهم. وهناك أيضا مقاولات صغيرة ومتوسطة تواجه بالفعل صعوبات مالية وارتفاعا في تكاليف الإنتاج والمنافسة، وهي ظروف ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند مناقشة سياسات التشغيل والأجور.
لكن تفهم الصعوبات الاقتصادية لا يعني قبول الإهانة أو تبرير الاستغلال. فمن حق المستثمر تحقيق الربح، بل إن استمرار المقاولة وتطورها ضروريان لخلق فرص العمل وتحريك الاقتصاد، غير أن البحث عن المردودية ينبغي ألا يتم على حساب كرامة الإنسان أو حقوقه الأساسية، ولا أن يتحول ضعف الأجير في التفاوض إلى فرصة دائمة لتخفيض قيمة عمله.
ثم إن العلاقة بين المشغل والأجير ليست مجرد عملية تجارية تنتهي بأداء الأجر، بل هي علاقة إنسانية ومهنية تقوم على التعاون وتبادل المصالح. فالمقاولة تحتاج إلى جهود مستخدميها ومهاراتهم وخبراتهم بقدر حاجتهم إلى الأجر والاستقرار، وكل اختلال كبير في هذا التوازن قد ينعكس سلبا على الإنتاجية وجودة العمل والمناخ الاجتماعي داخل المؤسسة.
ولذلك، فإن احترام المستخدمين وتقدير كفاءاتهم ليس مجرد التزام أخلاقي أو قانوني، بل هو أيضا استثمار في استقرار المقاولة واستمرارها. فالعامل الذي يشعر بالتقدير والإنصاف يكون أقرب إلى الثقة بمؤسسته، بينما يصعب انتظار العطاء والإبداع من شخص يقضي يومه تحت الخوف أو الإهانة أو الشعور المستمر بالحيف.
التدين لا يبرر الظلم… حين تغيب الأخلاق عن معاملة الأجراء
ولعل من أغرب المفارقات التي يمكن ملاحظتها أن تجد بعض المشغلين شديدي الحرص على أداء الصلوات، والمواظبة على العمرة والحج وزيارة المسجد النبوي، وقد لا يفوتون فرصة للحديث عن الدين والأخلاق، لكنهم في المقابل لا يترددون في إهانة مستخدم أو ظلم عاملة أو بخس أجير حقه، وكأن العبادة تنتهي عند باب المسجد، ولا علاقة لها بما يجري داخل المقاولة. وهنا يحضر قول الله تعالى: «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر» (سورة العنكبوت، الآية 45). فأي معنى للحرص على أداء الشعائر إذا لم ينعكس ذلك على السلوك والمعاملة؟ وأي قيمة للمظاهر الدينية حين يغيب العدل والرحمة واحترام حقوق الآخرين؟ فالدين ليس صلاة وصياما وحجا فحسب، وإنما هو أيضا أمانة وعدل وحسن معاملة، ولا يمكن أن يكون التدين الحقيقي ستارا لممارسة الظلم أو استغلال حاجة الإنسان إلى لقمة عيشه.
وفي هذا السياق، تستحضر الذاكرة تلك المقولة الشهيرة المنسوبة إلى الفاروق عمر بن الخطاب: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟». وهي مقولة تحمل معنى عميقا يتجاوز زمانها، وتضعنا أمام سؤال لا يزال قائما: بأي حق يعتقد بعض المشغلين أن امتلاك المال أو توفير فرصة عمل يمنحهم سلطة التحكم في كرامة الآخرين؟ وهل أصبح الأجير مدينا لمشغله بحريته وكرامته لمجرد أنه يتقاضى منه راتبا شهريا؟ إن المال قد يشتري خدمات الإنسان ووقته في حدود ما يسمح به القانون والعقد، لكنه لا يشتري كرامته ولا يمنح أحدا الحق في إذلاله. ومن أراد أن يظهر أثر تدينه، فليبدأ بالعدل مع من يعملون تحت مسؤوليته، فحقوق الناس لا تسقط بكثرة الصلوات ولا بتكرار الحج والعمرة.
حماية حقوق الأجراء بالمغرب… من مراقبة المخالفات إلى إصلاح ثقافة التشغيل
إن مواجهة هذه الاختلالات لا يمكن أن تقتصر على المطالبة بخلق المزيد من فرص الشغل، بل يجب أن تشمل جودة التشغيل وشروطه. فالمواطن لا يحتاج إلى وظيفة فقط، وإنما إلى عمل يتيح له العيش بكرامة، ويضمن حقوقه القانونية، ويمنحه الشعور بالأمان والاستقرار، ويعترف بقيمة الجهد والكفاءة التي يقدمها.
ولتحقيق ذلك، تبرز ضرورة تقوية أجهزة تفتيش الشغل، وتطوير آليات فعالة وآمنة لتلقي الشكايات، وحماية الأجراء من الإجراءات الانتقامية غير المشروعة، فضلا عن تشجيع الحوار الاجتماعي داخل المقاولات. كما ينبغي الاهتمام بالمخاطر النفسية المهنية، وتعزيز التوعية بحقوق العمال والعاملات، خصوصا لدى الشباب الذين يلجون سوق الشغل لأول مرة.
ولا يقل عن ذلك أهمية فتح نقاش جدي بشأن تثمين الشهادات والخبرات والمهارات المهنية، والحد من الممارسات التي تستغل وفرة الباحثين عن العمل لفرض أجور لا تعكس طبيعة المسؤوليات. فالمطلوب ليس فرض مساواة شكلية بين جميع الأجراء، وإنما إيجاد معايير واضحة ومنصفة تراعي الكفاءة والتجربة وحجم المهام والمردودية، مع احترام الإمكانات الاقتصادية للمقاولات.
كما أن تحسين واقع الشغل مسؤولية مشتركة، تتحمل فيها الدولة والمشغلون والمؤسسات المهنية والنقابات والأجراء أدوارا متكاملة. فالقانون يحتاج إلى تطبيق، والمقاولة تحتاج إلى ثقافة تدبير تحترم الإنسان، والأجير يحتاج إلى معرفة حقوقه ووجود سبل عملية للمطالبة بها دون أن يشعر بأن مستقبله المهني أصبح مهددا.
كرامة الأجير ليست امتيازا… إلى متى سيظل الخوف من البطالة أقوى من الحقوق؟
في سنة 2026، ونحن نتحدث عن التنمية والعدالة الاجتماعية وتثمين الرأسمال البشري، يبدو من الصعب تقبل أن يضطر بعض المواطنين إلى الاختيار بين كرامتهم ولقمة عيشهم، أو أن يجد أصحاب الشهادات والكفاءات أنفسهم أمام واقع مهني لا يعكس حجم ما بذلوه من سنوات وجهود لبناء مستقبل أفضل.
إن العمل الذي يفترض أن يكون وسيلة للتحرر من الحاجة، لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للخضوع والإذلال. والأجر الذي يتقاضاه المستخدم ليس صدقة من المشغل، بل مقابل لجهده ووقته وكفاءته. كما أن حاجة الإنسان إلى العمل لا تعني أنه تنازل عن حقه في الاحترام، أو قبل بأن يصبح مصيره رهينا بمزاج شخص آخر.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل هو ذلك الصمت الذي يلتزمه بعض الأجراء أمام ما يتعرضون له. فقد يبدو في نظر الآخرين رضا أو ضعفا أو قبولا، لكنه في حقيقته قد يكون تضحية مؤلمة يقدمها إنسان من أجل أسرته، أو خوفا من مستقبل مجهول، أو عجزا عن تحمل تكاليف البطالة مرة أخرى.
فمتى ننتقل من الاكتفاء بإحصاء مناصب الشغل إلى تقييم جودتها؟ ومتى تصبح مراقبة ظروف العمل فعالة بالقدر الذي يشعر معه الأجير أن القانون يحميه فعلا؟ ومتى ندرك أن احترام الشهادات والكفاءات والكرامة الإنسانية لا يتعارض مع نجاح المقاولة، بل يمكن أن يكون أحد أهم أسباب نجاحها؟
إن المجتمع الذي يريد بناء مستقبله بسواعد أبنائه وعقول كفاءاته، عليه أولا أن يحمي تلك السواعد ويقدر تلك العقول. فالعامل ليس آلة، والمستخدم ليس خادما، والعاملة ليست مضطرة إلى بيع كرامتها مقابل الأجر. ووراء كل عامل إنسان، ووراء كل شهادة سنوات من الجهد والأمل، ووراء كل راتب حياة بأكملها. أما الكرامة، فليست امتيازا يمنحه المشغل لمن يشاء، بل حق لا يجوز أن يسلبه من أحد.
Kasbah News Kasbah News