درعة تافيلالت | يضع البيان الاستنكاري الصادر عن المؤسسات الإعلامية المحلية بورزازات، وبيان مؤسسة درعة تافيلالت للإعلام، المشهد الإعلامي بالجهة أمام لحظة مفصلية تكشف عمق التوتر الذي بات يطبع علاقة الفاعل المؤسساتي بالجسم الصحافي.
فخلف لغة التحذير والاستياء، تظهر ملامح أزمة بنيوية تتجاوز مجرد رفض اتفاقية “حصرية” أو الطعن في صفقة “تواصل”، لتلامس سؤال الحكامة العمومية، والشفافية، ومكانة الإعلام الجهوي في معادلة التنمية الترابية.
احتقان في ورزازات.. معناه رفض واسع لمنطق الإقصاء والتوظيف غير المشروع للإعلام، لاسيما ان البيان المحلي بورزازات، الذي جاء بعد مصادقة المجلس الإقليمي على اتفاقية شراكة حصرية مع جمعية واحدة لتأمين تغطيته الإعلامية في خرق سافر للمساطير القانونية حسب بيان الهيئات الصدرة له، وضع النقاش في دائرة مقلقة تتعلق بضرب مبدأ المساواة وتهميش المهنيين، مع إشارات صريحة إلى مخاوف من توظيف الإعلام لأغراض انتخابية أو شخصية.
هذا التحرك الجماعي، الذي يضم مقاولات وجمعيات ومنابر صحفية، يعكس انتقال الجسم الإعلامي من مرحلة “التعبير عن التذمر” إلى مرحلة “الاصطفاف للدفاع القانوني”، في خطوة تضع المؤسسات الوصية أمام مسؤولياتها.
كما أن استحضار التوجيهات الملكية في البيان يبدو رسالة سياسية واضحة بأن تدبير الإعلام ينبغي أن يكون أداة لتعزيز التنمية لا بابا للتلاعب أو التحكم.
من ورزازات إلى الجهة.. صفقة التواصل تفتح الباب أمام مساءلات ثقيلة على مستوى الجهة، يعيد الجدل المرتبط بصفقة التواصل التي فاقت ميزانيتها 116 مليون سنتيم، والتي أسندت إلى شركة تربطها علاقة قرابة مع برلماني من حزب رئيس الجهة، يفتح النقاش حول تضارب المصالح وسلامة مساطر التفويت.
تداعيات هذه الصفقة، التي وصلت إلى مرحلة التحقيق القضائي، بما في ذلك استدعاءات من الشرطة القضائية واستفسارات من الأمانة العامة للحكومة، تعكس أن القضية لم تعد “خلافا بين المجلس ومنابر إعلامية”، بل مسألة تدبير عمومي يشتبه في خروقه.
وبقرار 19 مؤسسة إعلامية تعليق تغطية أنشطة المجلس الجهوي، يرتفع منسوب الأزمة، ليتحول الإعلام من “شاهد” إلى “فاعل محتج”، وهو تطور غير مألوف في علاقة مؤسسة منتخبة بقطاع مهني يفترض أن يكون شريكا لا خصما.
والى هنا تتضح ملامح أزمة ثقة وغياب رؤية مؤسساتية للإعلام الجهوي لدى مدبري الشأن المحلي والجهوي، ما يبرز من خلال النصين معا هو أن الإعلام الجهوي لم يعد يحتج فقط على “الاستبعاد”، بل على “منهجية التدبير” ذاتها: انتقائية، غياب الشفافية، غموض في تبرير القرارات، وتداخل محتمل بين السياسي والمالي، استغلال المناصب والنفوذ احيانا.
هذه التطورات تؤشر إلى فراغ تشريعي وتنظيمي ربما يجعل العلاقة بين بعض المجالس المنتخبة والمنابر الإعلامية بلا إطار واضح ولا معايير موضوعية، ما يفتح الباب أمام منطق الولاءات والصفقات بدل منطق الخدمة العمومية.
الأخطر في هذه الأزمة هو أنها تحدث في مرحلة تتحدث فيها الدولة عن “جيل جديد من التنمية الترابية” و “مأسسة التواصل العمومي”، بينما الممارسة على الأرض تكشف استمرار مقاربات شخصانية، تمييزية، ولا تراعي مهنية القطاع ولا دوره في الرقابة والنقاش العمومي.
البيانان لا يعكسان مجرد احتجاج، بل هما مؤشر واضح على انتهاء مرحلة “التسامح” مع ممارسات تعتبرها الهيئات الإعلامية إقصائية وغير شفافة.
والاصطفاف القانوني الذي تعلنه هذه الهيئات يمثل بداية مسار جديد عنوانه: رفض التحكم في الإعلام، والدفاع عن استقلاليته، وحماية دوره الرقابي في جهة بأقاليم هشة تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى صحافة قوية ومستقلة لضمان تنمية سليمة وحكامة رشيدة.
وفي سياق هذا الحراك، يعمل عدد من المهنيين والفاعلين في الحقل الإعلامي بالجهة على بلورة تنسيقية جهوية للإعلام بدرعة تافيلالت، ينتظر أن ترى النور خلال الأسابيع المقبلة، لتكون إطارا موحِّدا للمنابر والصحافيين وبصفة عامة المقاولات الإعلامية في مواجهة الخروقات التي تطال تدبير الشأن الإعلامي.
هذه التنسيقية، التي يجري الاشتغال على هيكلتها التنظيمية والقانونية في افق ان تتحول الى هياة اعلامية قانونية موحدة يلتف من خلالها الاعلام الجهوي بكل مكوناته، لتتولى الترافع المؤسسي أمام الهيئات الدستورية المختصة، وتعزيز حضور قضايا الإعلاميين لدى النقابات والكونفدراليات الوطنية، مع وضع آليات دائمة للتتبع والرصد والدفاع عن حرية الممارسة المهنية واحترام التعددية داخل الجهة وصون كرامة المنتسبين والاهتمام بأوضاعهم الاجتماعية.
Kasbah News Kasbah News