مع كل تصريح حكومي جديد، تتجدد آمال المواطنين في تحسين ظروف عيشهم، وتتجدد معها الأسئلة حول قدرة الوعود السياسية على التحول إلى نتائج ملموسة. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات العمومية بحجم الاستثمارات أو نسب النمو الاقتصادي فحسب، وإنما بما يلمسه في قدرته الشرائية، وجودة الخدمات التي يتلقاها، وفرص الشغل المتاحة له ولأبنائه. ومن هذا المنطلق، يستحق البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 قراءة اجتماعية واقتصادية تتجاوز لغة الأرقام، وتضع المواطن، بمختلف فئاته، في صلب النقاش.
يحمل التصريح الحكومي الجديد طموحات تستحق التثمين، خاصة في مجالات الحماية الاجتماعية والتشغيل ومحاربة الغلاء وإصلاح الخدمات العمومية. كما يتضمن اعترافا مهما بأن ثمار التقدم الذي حققته المملكة لم تصل بالشكل نفسه إلى جميع الفئات والمجالات. غير أن هذا الاعتراف يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل ستنجح الحكومة في جعل النمو الاقتصادي رافعة لتحسين حياة المواطنين، أم ستظل فئات اجتماعية ومهنية خارج دائرة الاستفادة الفعلية؟
القدرة الشرائية… بين الدعم وواقع الطبقة المتوسطة
تعهدت الحكومة برفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية ولايتها، إلى جانب اتخاذ إجراءات لضبط الأسعار ومحاربة الاحتكار وإصلاح مسالك توزيع المواد الغذائية. وهي توجهات إيجابية من شأنها، إذا أحسن تنفيذها، التخفيف من الأعباء المعيشية عن الأسر المستحقة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه يتعلق بالفئات التي لا تستفيد من هذا الدعم رغم حاجتها إلى تحسين دخلها، وفي مقدمتها شريحة واسعة من الموظفين والأجراء الذين يصنفون ضمن الطبقة المتوسطة. فالحصول على راتب شهري قار لا يعني بالضرورة العيش في وضعية مادية مريحة، خصوصا مع ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والنقل والعلاج وتعليم الأبناء. وقد يجد الموظف نفسه مطالبا بالوفاء بالتزامات شهرية تستنزف معظم دخله، دون أن يستفيد من برامج الدعم الموجهة إلى الفئات الهشة.
وليس المقصود التشكيك في أهمية الدعم الاجتماعي، بل التأكيد على أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بمساعدة الفئات الأكثر احتياجا وحدها، وإنما كذلك بحماية الطبقة المتوسطة من التراجع نحو الهشاشة. فالدولة الاجتماعية ينبغي أن تشمل الجميع بسياسات متكاملة، تختلف أدواتها بحسب أوضاعهم واحتياجاتهم.
التغطية الصحية… ماذا عن الذين يشتغلون دون حماية؟
من أبرز التزامات البرنامج الحكومي استكمال تعميم التغطية الصحية وضمان الولوج الفعلي إلى العلاج. غير أن هذا الورش يطرح تساؤلات بشأن وضعية فئات مهنية لا تزال تواجه صعوبات في الاستفادة من الحماية الاجتماعية، ومن بينها بعض الأعوان المياومين والموسميين الذين يشتغلون لدى إدارات ومؤسسات عمومية، بمن فيهم من تؤدى مستحقاتهم في إطار الشساعة الاستثنائية.
فهؤلاء قد يساهمون في السير اليومي للمرافق العمومية ويتقاضون أجورا محدودة، بينما يواجه بعضهم غياب التغطية الصحية الفعلية أو صعوبات في تسوية وضعيتهم الاجتماعية والمهنية. وهي إشكالية لا تعني بالضرورة أن جميع الأعوان المياومين والموسميين مستبعدون قانونيا من التغطية، لكنها تستدعي التحقق من مدى تمتعهم بحقوقهم على أرض الواقع، ومعالجة الحالات التي لا تستفيد منها.
والمفارقة أن بعض من يساهمون في تقديم خدمات عمومية قد يجدون أنفسهم دون حماية كافية عند المرض أو العجز عن العمل. كما تطرح وضعيات بعض العاطلين وذوي الدخل المحدود إشكالية الولوج إلى التغطية الصحية، بسبب شروط الاستحقاق أو صعوبات التسجيل والانتقال بين الأنظمة. وهنا يصبح من الضروري ألا يقاس نجاح تعميم الحماية الاجتماعية بعدد المسجلين فقط، بل أيضا بقدرة المنظومة على الوصول إلى من ظلوا خارج الاستفادة الفعلية.
تشغيل الشباب… عندما تنتهي عقود الإدماج قبل تحقيق الاستقرار
خصص التصريح الحكومي حيزا مهما لتشغيل الشباب، متعهدا بتكوين 100 ألف شاب سنويا وتمكين عدد مماثل تقريبا من تجربة مهنية أولى، ابتداء من سنة 2027. وهي أهداف تستحق التشجيع، بالنظر إلى حجم البطالة وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل.
غير أن الواقع يطرح إشكالية أخرى تتعلق بمصير الشباب الذين سبق لهم الاستفادة من عقود التكوين من أجل الإدماج عبر أنابيك، ثم انتهت تجربتهم المهنية دون الحصول على عمل مستقر. فاستنفاد المدة القانونية للاستفادة من عقد إدماج جديد لا يمنعهم من العمل بعقد عادي، لكنه قد يجعل فرصهم أصعب لدى بعض المقاولات التي تفضل الاستفادة من التحفيزات المرتبطة بتشغيل مرشحين جدد.
وإلى جانب هؤلاء، توجد فئات من الشباب لم تحصل أصلا على فرصة العمل الأولى، وأخرى فقدت وظائفها وتعذر عليها العودة إلى سوق الشغل. لذلك، فإن المطلوب ليس فقط توسيع برامج التدريب والإدماج، وإنما توفير مسارات حقيقية نحو التشغيل المستدام، تشمل العاطلين لأول مرة ومن فقدوا وظائفهم ومن استنفدوا فرص الاستفادة من بعض البرامج.
فنجاح سياسة التشغيل لا ينبغي أن يقاس بعدد عقود التدريب الموقعة، بل بعدد الشباب الذين تمكنوا فعلا من الحصول على عمل مستقر يوفر لهم دخلا لائقا وحقوقا اجتماعية.
الموظف وإصلاح التقاعد… بين التحفيز والمخاوف المشروعة
في ما يتعلق بالموظفين والأجراء، يتعهد البرنامج الحكومي بإصلاح تدريجي للضريبة على الدخل بهدف الرفع من الأجور الصافية. وهي خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنها لا تعوض بالضرورة الحاجة إلى مراجعة الأجور والتعويضات، خصوصا أن أثر التخفيض الضريبي يختلف بحسب مستوى دخل كل أجير ووضعه الضريبي.
كما يطرح إصلاح أنظمة التقاعد أسئلة مشروعة حول مستقبل الموظفين، رغم ما يتضمنه البرنامج من تعهدات إيجابية، أبرزها الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريا، وتحسين معاشات الأرامل، والحفاظ على الحقوق المكتسبة. فالموظف ينتظر توضيحات بشأن سن التقاعد ونسب الاقتطاع وطريقة احتساب المعاش، ومدى مساهمة مختلف الأطراف في تحمل كلفة الإصلاح.
ولا يمكن إغفال أن الموظف يشكل عنصرا أساسيا في تنفيذ السياسات العمومية والإصلاحات الإدارية. ولذلك فإن تحديث الإدارة ورقمنة خدماتها ينبغي أن يواكبه اهتمام مماثل بمواردها البشرية، من حيث التكوين والتحفيز والترقية وتحسين ظروف العمل والإنصاف المهني.
خمسة في المائة من النمو… هل سينعكس على حياة المواطنين؟
يراهن البرنامج الحكومي على تحقيق متوسط نمو اقتصادي سنوي بنسبة 5 في المائة خلال الفترة 2027–2031، مع استهداف تضخم في حدود 2 في المائة. وهي مؤشرات طموحة، لكن تحقيقها لا يعني تلقائيا تحسن القدرة الشرائية لجميع المواطنين، خاصة أن انخفاض معدل التضخم لا يعني بالضرورة تراجع الأسعار، وإنما تباطؤ وتيرة ارتفاعها.
ومن هنا تبرز أهمية ربط النمو الاقتصادي بخلق فرص الشغل وتحسين الدخل وجودة الخدمات العمومية، لأن الأسرة التي تجد مدرسة عمومية جيدة ومستشفى يوفر العلاج المناسب ستتمكن من تخفيف جزء مهم من نفقاتها. كما أن تحسين مناخ الاستثمار ومحاربة الاحتكار والفساد والريع من شأنه تعزيز المنافسة وتوجيه الموارد نحو أنشطة أكثر إنتاجية، إذا ترجمت التعهدات الحكومية إلى إجراءات فعلية.
ولا جدال في أهمية المشاريع الاستراتيجية والبنيات التحتية الكبرى التي تعزز مكانة المغرب وقدرته التنافسية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان استفادة مختلف الفئات والمجالات من ثمار هذا التقدم، حتى لا تتسع المسافة بين المؤشرات الاقتصادية الوطنية والواقع المعيشي للمواطنين.
من الوعود إلى المحاسبة… الاختبار الحقيقي للحكومة
ليس من الإنصاف الحكم على البرنامج الحكومي بالفشل قبل الشروع في تنفيذه، كما ليس من الموضوعية اعتباره ناجحا لمجرد تضمينه تعهدات طموحة. فالرهان الأساسي يتمثل في تحويل هذه الالتزامات إلى برامج ممولة ومؤطرة زمنيا، مع إخضاع نتائجها للتقييم والمساءلة، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أن نجاح البرنامج لا ينبغي أن يكون رهينا بالدفاع الحزبي عنه أو معارضته لمجرد المعارضة، بل بمدى قدرته على الاستجابة لانتظارات المواطنين. وهو ما يستدعي رقابة برلمانية فعالة، ونقاشا عموميا مسؤولا، وحرصا على تصحيح الاختلالات كلما ظهرت.
وفي النهاية، فإن المغرب الذي يواصل صعوده الاقتصادي وتعزيز موقعه الدولي يحتاج إلى أن يواكب هذا التقدم تحسن ملموس في حياة مواطنيه. فالدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بعدد المستفيدين من الدعم، وإنما كذلك بقدرتها على حماية الموظف والأجير، وإنصاف العامل الهش، وتوفير فرص الشغل للشباب، وضمان العلاج والتعليم والعيش الكريم للجميع.
وإذا كان من حق الحكومة أن تطمح إلى تحقيق نمو بنسبة 5 في المائة، فمن حق المواطن أيضا أن يتساءل: ما نصيبي من هذا النمو؟ وهل سأعيش أنا وأسرتي بصورة أفضل عند نهاية الولاية الحكومية؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه حصيلة الحكومة سنة 2031، لأن التنمية الحقيقية ليست مجرد أرقام تتقدم، بل حياة مواطنين تتحسن.
في رأيكم، ما الأولوية التي ينبغي أن تركز عليها الحكومة خلال السنوات المقبلة: تحسين الأجور، أو ضبط الأسعار، أو تعميم التغطية الصحية، أو خلق فرص الشغل؟ وهل توجد فئات أخرى لم تحظ بالاهتمام الكافي في البرنامج الحكومي؟
Kasbah News Kasbah News