أخبار عاجلة

المسطرة الغيابية بين الرقمنة واحترام الاختصاص: جدل قانوني حول منصة وزارة العدل

المسطرة الغيابية بين الرقمنة واحترام الاختصاصات: حين تُثير منصة وزارة العدل نقاشاً دستورياً وقانونياً

بقلم: سعيد الهركاوي | في خطوة وصفتها وزارة العدل بأنها جزء من ورش التحول الرقمي لمنظومة العدالة، أعلنت هذه الأخيرة عن إطلاق منصة إلكترونية جديدة مخصصة لـ المسطرة الغيابية، تتضمن معطيات تفصيلية حول الأشخاص المتابعين أو المحكوم عليهم في حالة غياب، والذين يفوق عددهم – حسب المعطيات المنشورة – 625 شخصاً.

المنصة، التي جرى الإعلان عنها عبر بوابة محاكم، لا تكتفي بعرض الأسماء، بل تنشر أيضاً معلومات دقيقة تشمل المحكمة المصدرة للحكم، رقم الملف، اسم المتهم ووالديه، رقم البطاقة الوطنية، عنوان السكن السابق، إضافة إلى طبيعة التهم الموجهة إليه، والتي تتراوح بين اختلاس الأموال العامة والتزوير والاختطاف والاغتصاب والسرقة الموصوفة وتكوين عصابة إجرامية وغيرها من الجرائم.

غير أن هذه الخطوة، التي قُدِّمت في ظاهرها باعتبارها آلية لتعزيز الشفافية وتسريع إجراءات التبليغ والتنفيذ، سرعان ما فتحت نقاشاً قانونياً عميقاً حول سؤال جوهري:

من يملك الاختصاص القانوني لنشر أو تدبير معطيات المتابعين غيابياً؟ وهل تدخل وزارة العدل في هذا المجال ينسجم مع الدستور وقانون استقلال السلطة القضائية؟

#اختصاص قضائي أصيل لا إداري

في الفقه القانوني الجنائي، تعتبر المسطرة الغيابية جزءاً من الإجراءات القضائية الصرفة المرتبطة بسير الدعوى العمومية وتنفيذ الأحكام. وهي تخضع أساساً لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية، الذي يجعل النيابة العامة الجهة المختصة بتتبع تنفيذ الأحكام والبحث عن المحكوم عليهم الفارين أو الغائبين.

وبعد إصلاح منظومة العدالة في المغرب، وخاصة منذ دخول القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيساً للنيابة العامة، أصبح واضحاً أن تتبع الدعوى العمومية وتنفيذ الأحكام الجنائية يدخل ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطة القضائية.

فالبحث عن المحكوم عليهم غيابياً أو الصادر في حقهم مذكرات بحث لا يُعد إجراءً إدارياً، بل إجراء قضائياً يندرج ضمن صلاحيات النيابة العامة وأجهزة الشرطة القضائية العاملة تحت إشرافها.

ومن ثم يطرح الإعلان عن منصة حكومية لنشر هذه المعطيات سؤالاً مشروعاً:

هل نحن أمام خدمة تقنية مساعدة للعدالة أم أمام تدخل تنفيذي في اختصاص قضائي أصيل؟

#الدستور وخطوط الفصل بين السلط

ينص دستور 2011 بوضوح على مبدأ فصل السلط وتوازنها وتعاونها، كما يؤكد في فصله 107 أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية.
كما يكرس الدستور دور المجلس الأعلى للسلطة القضائية في ضمان استقلال القضاء، ويعهد للنيابة العامة بتطبيق القانون والسهر على تنفيذ الأحكام.

في هذا السياق، يرى عدد من المتتبعين أن نشر لوائح المتابعين أو المحكوم عليهم غيابياً والدعوة إلى التبليغ عنهم قد يدخل ضمن الإجراءات القضائية المرتبطة بتنفيذ الأحكام، وهو ما يثير احتمال تداخل الاختصاصات بين وزارة العدل باعتبارها جهازاً تنفيذياً وبين السلطة القضائية التي يفترض أن تدبر هذا المجال.

#إشكالية حماية المعطيات الشخصية

جانب آخر من النقاش يتعلق بـ نشر المعطيات الشخصية للأشخاص المعنيين، حيث تتضمن المنصة معلومات حساسة مثل رقم البطاقة الوطنية والعنوان الشخصي وأسماء الوالدين.

وهنا يبرز سؤال قانوني إضافي مرتبط بتطبيق مقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وكذا دور اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) في مراقبة مثل هذه المبادرات الرقمية.

فهل حصلت هذه العملية على التراخيص القانونية اللازمة؟

وهل ينسجم نشر هذه المعطيات مع مبدأ قرينة البراءة بالنسبة للأشخاص الذين لا يزالون في مرحلة المتابعة؟
#الرقمنة ضرورة… لكن بضوابط قانونية

لا يجادل أحد اليوم في أن رقمنة العدالة أصبحت خياراً استراتيجياً لتحديث المرفق القضائي وتسريع الإجراءات وتحسين ولوج المواطنين إلى المعلومات.

لكن الإشكال المطروح ليس في الرقمنة كخيار، بل في الجهة التي تدبر هذه المعطيات وحدود تدخلها.
فالرقمنة، مهما كانت أهدافها نبيلة، لا يمكن أن تتحول إلى ممر لتجاوز الاختصاصات الدستورية أو إضعاف مبدأ استقلال السلطة القضائية.

#بين النجاعة القانونية واحترام المؤسسات

إن إطلاق منصة رقمية للمسطرة الغيابية قد يشكل أداة مفيدة لتسهيل التبليغ وتنفيذ الأحكام، لكنه في الوقت ذاته يفرض ضرورة تحديد دقيق للإطار المؤسساتي والقانوني الذي يؤطرها.

فإذا كانت المنصة مجرد واجهة تقنية لمعطيات قضائية تصدر عن النيابة العامة والمحاكم، فإن الأمر يظل منسجماً مع روح الإصلاح.

أما إذا تحولت إلى آلية تدبيرية مستقلة عن السلطة القضائية، فإنها قد تثير إشكالات دستورية وقانونية عميقة.

#الحاجة إلى توضيح رسمي

في ظل هذا الجدل، تبدو الحاجة ملحة إلى توضيح مؤسساتي يحدد بدقة:

الجهة التي تنتج هذه المعطيات القضائية.
الإطار القانوني لنشرها رقمياً.

حدود تدخل وزارة العدل في تدبيرها.

الضمانات المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية وقرينة البراءة.

ذلك أن العدالة الرقمية لا يمكن أن تُبنى على حساب استقلال القضاء، كما أن احترام الاختصاصات يظل شرطاً أساسياً للحفاظ على توازن المؤسسات.

#خاتمة
إن النقاش الذي أثارته منصة المسطرة الغيابية لا يتعلق فقط بموقع إلكتروني جديد، بل يلامس سؤالاً أعمق يتصل بحدود السلطة التنفيذية في المجال القضائي.
وفي دولة دستورية حديثة، لا يمكن لأي إصلاح – مهما كان هدفه – أن ينجح إذا لم يستند إلى احترام صارم للاختصاصات والمؤسسات.

فالعدالة، في نهاية المطاف، ليست مجرد إجراءات تقنية أو منصات رقمية، بل مرفق سيادي يقوم على استقلال السلطة القضائية وضمان الحقوق والحريات.
وفي انتظار توضيحات رسمية أكثر دقة، سيظل السؤال مطروحاً بقوة:

هل نحن أمام خطوة إصلاحية في طريق رقمنة العدالة… أم أمام سابقة تفتح باب تداخل الاختصاصات بين السلط؟

شاهد أيضاً

زاكورة.. من خلية النحل إلى رفوف التسويق: أحمد العيدي يكشف أسرار تثمين العسل ويشيد بدور الشركاء

زاكورة | مروان قراب | في قلب واحات زاكورة، حيث تتعانق أشجار النخيل مع نباتات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *