أخبار عاجلة
حين تتحول رحلة البحث عن الحق إلى اختبار جديد للصبر والثقة في المؤسسات.

حين تتحول الضحية إلى متهم… هل يحتاج المواطن إلى أنياب كي يحصل على حقه؟

نحب جميعا أن نرى وطننا بعين التفاؤل، وأن نبحث في تفاصيل الحياة اليومية عن المؤشرات التي تؤكد أن المغرب يتقدم، وأن أوراشه الكبرى ومشاريعه المتعددة تعكس إرادة حقيقية في التحديث والتطور. نتابع الطرق التي تشق، والمطارات التي تتوسع، والمنشآت التي ترتفع، والإدارات التي تتجه نحو الرقمنة، ونشعر، من حقنا، بشيء من الاعتزاز ونحن نرى بلدا يحاول أن يجد لنفسه موقعا أفضل بين الدول الصاعدة.

لكن صورة الدولة لا تصنعها فقط الأوراش الكبرى، ولا تكفي وحدها المؤشرات الاقتصادية أو المشاريع الضخمة لتشكيل إحساس المواطن بجودة الدولة. هناك صورة أخرى أكثر قربا، وأشد تأثيرا، وربما أكثر صدقا، تتشكل حين يقع الإنسان في محنة ويضطر إلى اللجوء إلى مؤسسة عمومية بحثا عن الحماية أو العلاج أو الإنصاف أو مجرد معلومة واضحة.

في الظروف العادية، قد تمر علاقة المواطن بالإدارة أو الشرطة أو المستشفى أو القضاء دون أن يختبر عمقها الحقيقي. يطلب وثيقة، يقضي غرضا، يؤدي خدمة وينصرف. لكن اللحظة التي يقع فيها حادث سير، أو اعتداء، أو نزاع، أو إصابة، أو يصبح فيها الشخص في حاجة إلى محضر أو شهادة أو متابعة أو جواب، تبدأ صورة أخرى في الظهور. هناك، تحديدا، تتحول العلاقة من إجراء إداري بسيط إلى اختبار حقيقي للثقة في المؤسسة.

في حادثة سير مثلا، قد يجد المواطن نفسه فجأة داخل مسار لم يكن مستعدا له. لحظات قليلة تفصل بين طريق عادي نحو البيت وبين سيارة إسعاف، وعناصر أمن، ومحضر، واستفسارات، وانتظار طويل. قد يكون مقتنعا بأن الوقائع واضحة، وأن علامات الاصطدام ومكانه ومسار المركبات كلها تشير إلى صورة منطقية لما وقع، لكنه يكتشف لاحقا أن القانون له لغته الخاصة، وأن الملف يسلك مسارا لا يفهمه دائما، وأن ما يبدو بديهيا له قد يتحول إلى توصيف مختلف تماما داخل الوثائق.

هنا لا تكمن المشكلة في أن القانون يجب أن يوافق قناعة كل طرف أو إحساسه بأنه بريء. القانون له أدواته، والتحقيق له قواعده، والقضاء هو الذي يفصل في المسؤوليات. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يجد المواطن نفسه داخل هذا المسار من دون شرح كاف، ومن دون معلومة واضحة، ومن دون أن يعرف أين وصل ملفه أو ما الذي ينتظره. يتحول القلق من الحادث إلى قلق من الإجراء، وتتحول الصدمة الأولى إلى سلسلة من الضغوط النفسية والإدارية.

الأمر يصبح أكثر قسوة عندما يتعلق بإنسان تعرض لاعتداء أو تهديد أو تخريب ممتلكاته. في هذه اللحظة يصل الضحية إلى المؤسسة وهو لا يحمل أوراقا فقط، بل يحمل معه خوفا، وارتباكا، وغضبا، وربما ألما جسديا. إنه لا يدخل في وضع نفسي عادي، ولا يتعامل مع ملف مجرد، بل مع حدث هز إحساسه بالأمان.

وهنا تصبح طريقة الاستقبال جزءا من العدالة نفسها.

قد يكون الموظف أو الشرطي أو الإداري قد استقبل عشرات الحالات في يوم واحد، لكن صاحب الملف يعيش تلك الواقعة للمرة الأولى، وربما تكون من أقسى اللحظات التي مر بها. لذلك فإن نبرة الحديث، وطريقة الجواب، واحترام السؤال، وتوضيح الإجراء، ليست تفاصيل ثانوية. إنها جزء من علاقة المواطن بالمؤسسة، وجزء من إحساسه بأن الدولة موجودة لحمايته لا لتعميق شعوره بالعجز.

الصدمة تبدأ عندما يشعر الضحية بأنه يعامل كأنه عبء، أو كأن مجرد سؤاله عن ملفه إزعاج، أو كأنه مطالب بالاعتذار لأنه طلب معرفة حقه. حينها تتحول المعادلة إلى شيء شديد القسوة: المواطن الذي جاء طالبا الحماية يبدأ في الدفاع عن نفسه حتى أمام الجهة التي لجأ إليها طلبا للحماية.

وتظهر هنا مفارقة مؤلمة. الشخص المعتاد على هذه الفضاءات، أو من خبر المساطر سابقا، قد يعرف أين يقف، ومن يسأل، ومتى يحتج، وكيف يطلب مقابلة المسؤول. أما المواطن الهادئ الذي دخل للمرة الأولى، وهو مرتبك أو خائف، فيتعلم قواعد اللعبة أثناء المحنة نفسها. وقد يكتشف أن احترامه الزائد للمكان، وصبره، وتجنبه للصدام، لا تمنحه بالضرورة أفضلية، بل قد تجعل ملفه أقل إلحاحا في نظر بعض من يتعامل معه.

وهنا يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا جميعا: هل أصبح المواطن مطالبا بأن يكون صاخبا حتى يسمع؟ وهل صار الإلحاح الشديد أسرع من المسطرة؟ وهل يجب على الإنسان أن يعرف كيف يهدد بالشكاية، ويطلب الأسماء والصفات، ويستحضر النصوص القانونية، فقط لكي يعامل بجدية؟

هذه ليست دعوة إلى الفوضى، ولا إلى رفع الأصوات، ولا إلى إهانة الموظفين. على العكس تماما. المؤسسات لا تستقيم إلا بالاحترام المتبادل، كما أن عددا كبيرا من الموظفين والعاملين في الأمن والصحة والقضاء والإدارة يقومون بواجبهم باحتراف وفي ظروف قد تكون صعبة وضاغطة. لكن الإشكال يظهر عندما يصبح احترام المواطن مرتبطا بمزاج الفرد لا بقوة النظام المؤسسي، وعندما تختلف جودة المعاملة اختلافا كبيرا من مكتب إلى آخر ومن شخص إلى آخر.

المؤسسة القوية هي التي لا تترك جودة الخدمة رهينة الصدفة.

وفي المستشفيات يتكرر الاختبار ذاته بشكل أكثر حساسية. المواطن الذي يصل مصابا أو خائفا على قريب لا يحتاج فقط إلى العلاج، بل إلى المعلومة والاحترام والتوجيه. في مثل هذه الحالات، قد تكون كلمة واضحة أكثر قيمة من دقائق طويلة من الصمت، وقد يكون شرح بسيط لما سيحدث كافيا لتخفيف جزء كبير من التوتر.

المشكلة أن بعض المؤسسات تنظر إلى الملف باعتباره إجراء، بينما ينظر إليه صاحبه باعتباره جزءا من حياته. وهذه الفجوة هي التي تصنع كثيرا من سوء الفهم والاحتقان.

لقد تحدث المغرب كثيرا عن تحديث الإدارة، وتبسيط المساطر، والرقمنة، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وهي أوراش ضرورية ولا يمكن التقليل من أهميتها. لكن الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المنصات الإلكترونية أو سرعة استخراج الوثائق، بل يقاس أيضا بقدرة المؤسسة على احترام المواطن حين يكون في أضعف حالاته.

فالرقمنة لا تعالج وحدها طريقة مخاطبة الناس، والمنصات لا تعوض غياب المعلومة، والقوانين لا تمنع سوء المعاملة إذا لم تتحول إلى ثقافة مؤسسية يومية.

المواطن لا يحتاج إلى معاملة تفضيلية. لا يطلب أن يقفز على الدور، ولا أن يفرض روايته على القانون، ولا أن يعفى من المساطر. ما يريده أبسط من ذلك بكثير: أن يفهم ماذا يحدث، وأن يعرف أين يوجد ملفه، وأن يعامل بكرامة، وأن يشعر بأن هدوءه لا يحسب عليه، وأن احترامه لا يتحول إلى نقطة ضعف.

ولهذا فإن العلاقة بين الدولة والمواطن لا تختبر فقط في الانتخابات أو الخطب أو البرامج، بل تختبر يوميا داخل المراكز والمستشفيات والمحاكم والإدارات. هناك تتشكل الثقة أو تتآكل. وهناك يبني المواطن رأيه الحقيقي في الدولة، بعيدا عن الخطاب الرسمي والصور الجميلة.

يمكن للبلد أن يبني منشآت حديثة، ويجذب الاستثمارات، وينجز مشاريع ضخمة، وهذا كله مهم وضروري، لكن المواطن العادي قد يقيس الدولة في لحظة بسيطة جدا: حين يدخل إلى مؤسسة وهو خائف، فهل يخرج منها مطمئنا أم أكثر خوفا؟

هذه هي المعادلة الحقيقية.

الدولة القوية ليست فقط التي يراها المواطن قوية من الخارج، بل التي يشعر بقوتها وهو في الداخل، عندما يكون في موقع ضعف. وهي ليست التي تطلب منه احترام المؤسسات فقط، بل التي تجعل المؤسسات بدورها تحترم هشاشته، وجهله بالمساطر، وارتباكه، وحقه في السؤال.

في النهاية، أخطر ما يمكن أن يتعلمه المواطن من تجربته مع بعض المرافق العمومية هو أن الأدب لا ينفع، وأن الصمت لا يحفظ الحقوق، وأن الصراخ أسرع من القانون. لأن ذلك لا ينتج فقط مواطنا غاضبا، بل يضرب في العمق فكرة الثقة نفسها.

ومن غير المقبول أن يصبح المواطن أمام خيارين: إما أن يظل مهذبا فيضيع حقه، أو يتحول إلى شخص شرس حتى يسمع صوته.

الإدارة التي نريدها، والدولة التي نريدها، ليست تلك التي تدفع الإنسان إلى تغيير طباعه لكي تحترمه، بل تلك التي تجعله يشعر أن احترامه للقانون والمؤسسة يكفي وحده لحماية حقه.

فالإنسان لا ينبغي أن يحتاج إلى أنياب كي يحصل على حق. وإذا أصبح مضطرا إلى ذلك، فالمشكلة ليست في أسنانه، بل في الطريق التي أوصلته إلى الاعتقاد بأن الهدوء لم يعد كافيا.

شاهد أيضاً

انتخابات 2026.. من 2011 إلى اليوم: وجوه تتبادل المقاعد ووعود لا تشيخ فهل نغير نحن ذاكرتنا؟

مع انطلاق الحملة الانتخابية لسنة 2026، تعود الوعود القديمة بعبارات جديدة، فيما تتبادل الأحزاب مواقع الحكومة والمعارضة والمرشحون أحيانا القمصان الحزبية. فهل تكمن أزمة السياسة في البرامج وحدها، أم أيضا في ذاكرة انتخابية قصيرة تسمح بإعادة تقديم الماضي باعتباره مستقبلا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *