انتهت الانتخابات، أعلنت النتائج، ووزعت المقاعد، وانتقل المغرب بسرعة من مرحلة صناديق الاقتراع إلى مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة. وبينما ينشغل النقاش بمن فاز ومن خسر، ومن سيكون في الأغلبية ومن سيجلس في المعارضة، تبدو خلف الأرقام خريطة أخرى ربما تستحق اهتماما أكبر: خريطة المغرب الذي يصوت، والمغرب الذي ينتظر بعد التصويت.
أفرزت الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، فالعدالة والتنمية بـ54 مقعدا. وفي 29 شتنبر عين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة. وهي تطورات تنقل السؤال اليوم من هوية الفائز إلى طبيعة السياسات التي ستترجم هذه النتائج على أرض الواقع.
لكن قراءة الانتخابات بعدد المقاعد وحده قد تجعلنا نغفل سؤالا أكثر عمقا: من أين جاءت هذه المقاعد؟ وما علاقة الجغرافيا الانتخابية بالجغرافيا الاجتماعية والتنموية للمغرب؟
البادية ليست هامشا في المعادلة الانتخابية
بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة أكثر من 15.8 مليون ناخب، يمثل سكان الوسط الحضري 55 في المائة منهم، مقابل 45 في المائة في الوسط القروي. أي أن قرابة نصف الجسم الانتخابي المسجل يوجد خارج المدن. وتزداد دلالة هذا الرقم عندما ننظر إلى الخريطة التي أفرزتها الانتخابات. فوفق تصنيف مجالي متداول للدوائر الانتخابية، حصل الأصالة والمعاصرة على 63 مقعدا مصنفا ضمن المجال القروي مقابل 34 حضريا، والتجمع الوطني للأحرار على 40 مقعدا قرويا مقابل 26 حضريا، والاستقلال على 36 مقعدا قرويا مقابل 29 حضريا. أي أن الأحزاب الثلاثة التي تصدرت النتائج حققت، وفق هذا التصنيف، جزءا مهما من قوتها البرلمانية خارج المدن.
وهنا يجب تسجيل ملاحظة ضرورية: هذه ليست قسمة رسمية منشورة من وزارة الداخلية للمقاعد بين «قروي» و«حضري»، كما أن بعض الدوائر تجمع بين جماعات قروية ومراكز حضرية، ولذلك ينبغي التعامل معها كمؤشر تحليلي على التوزيع المجالي، لا كتصنيف إداري رسمي نهائي.
لكن، حتى مع هذا التحفظ، تبقى الرسالة واضحة: العالم القروي ليس هامشا انتخابيا، ولا تفصيلا صغيرا في الطريق نحو البرلمان، بل هو أحد المكونات الأساسية للخريطة السياسية المغربية.
السياسة لا تصنع فقط في الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة وأكادير. جزء معتبر منها يصنع أيضا في الدواوير والقرى والمراكز الصغيرة والجبال والسهول، بعيدا عن الأضواء التي ترافق النقاش السياسي في المدن الكبرى وهنا تبدأ المفارقة.
قوي حين تحسب الأصوات… فهل يكون قويا حين توزع التنمية؟
ليس عيبا أن تساهم البادية بهذه القوة في صناعة الخريطة السياسية. بل هذا هو الطبيعي في دولة يفترض أن يكون فيها المواطن متساويا في الحقوق السياسية، سواء كان يعيش وسط العاصمة أو في دوار يبعد عشرات الكيلومترات عن أقرب مركز حضري. ولا ينبغي أيضا أن ننظر إلى الناخب القروي نظرة استعلائية، وكأنه أقل قدرة على فهم مصالحه أو اختيار من يمثله. كثيرا ما نستمع بعد الانتخابات إلى تفسيرات جاهزة تختزل تصويت البادية في القبيلة أو العائلة أو الأعيان أو العلاقات الشخصية، بينما يقدم تصويت المدن أحيانا كما لو أنه بالضرورة أكثر وعيا وسياسة وعقلانية. والحقيقة أن الناخب، في المدينة كما في القرية، قد يصوت لأسباب حزبية أو اجتماعية أو محلية أو شخصية أو اقتصادية، وقد يصوت عن اقتناع، أو احتجاجا على آخرين، أو بحثا عن تغيير، وقد يقرر في النهاية ألا يصوت أصلا.
بل إن الانتخابات الأخيرة تدعونا إلى الحذر من اعتبار البادية خزانا انتخابيا مضمونا. فقد أظهر تحليل ترابي للنتائج تراجعا أكبر في عدد الأصوات الصحيحة مقارنة بانتخابات 2021 في الدوائر الإقليمية، بنحو 38 في المائة، مقابل 23 في المائة في الدوائر ذات الطابع العمالاتي. وهذا معطى تحليلي يفتح بدوره أسئلة عن تراجع التعبئة الانتخابية في عدد من المجالات القروية. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا تصوت البادية لهذا الحزب أو ذاك؟ السؤال الأهم هو: إذا كان للعالم القروي كل هذا الوزن في تحديد الخريطة السياسية، فهل يملك الوزن نفسه عندما تحدد أولويات التنمية؟
أرقام التحسن لا تلغي استمرار الفوارق
سيكون من غير المنصف، وغير المهني أيضا، القول إن شيئا لم يتغير في العالم القروي. لقد تغير الكثير. وصلت الكهرباء إلى مناطق كانت محرومة منها، واتسعت شبكات الماء، وشقت طرق ومسالك، وبنيت مدارس ومراكز صحية، وجرى العمل على فك العزلة عن مناطق عديدة، كما شهدت مؤشرات الفقر تحسنا ملموسا. فحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، تراجع معدل الفقر متعدد الأبعاد في الوسط القروي من 23.6 في المائة سنة 2014 إلى 13.1 في المائة سنة 2024. لكن الرقم نفسه يحمل الوجه الآخر للحقيقة: حوالي 72 في المائة من الأشخاص الموجودين في وضعية فقر متعدد الأبعاد سنة 2024 كانوا يعيشون في الوسط القروي، كما ظل معدل الفقر القروي يفوق بأكثر من أربع مرات المستوى المسجل في المدن. إذن فقد تحقق تقدم، لكنه لم يمح الفوارق.
وهنا تحديدا ينبغي أن ننتقل في فهمنا للتنمية القروية من منطق «إيصال الحد الأدنى» إلى منطق «جودة الحياة». فليس كافيا اليوم أن نقول إن القرية وصلت إليها الطريق إذا كانت الطريق لا تسمح بتنقل آمن ومستمر طوال السنة. ولا يكفي أن نقول إن هناك مركزا صحيا إذا كان المواطن سيجد أبوابه مغلقة أو سيضطر إلى قطع عشرات الكيلومترات للعثور على طبيب. ولا يكفي بناء المدرسة إذا كان التلميذ سيواجه بعد ذلك معضلة النقل المدرسي أو الهدر المدرسي أو ضعف جودة التعلم. ولا ينبغي أن تختصر البادية في الماء والكهرباء والطريق فقط، رغم أهميتها. المواطن القروي يريد أيضا إنترنت جيدا، وإدارة قريبة، ونقلا لائقا، وثقافة ورياضة، وفرص استثمار وشغل، ومدرسة تمنح أبناءه إمكانية الصعود الاجتماعي، ونظاما صحيا يجعله يشعر أن المسافة بينه وبين المدينة لا تعني مسافة مماثلة بينه وبين حقوقه.
استمع فقط إلى أصوات الناس
ولعلنا لا نحتاج دائما إلى تقارير مطولة حتى نفهم بعض ما يجري. يكفي أحيانا الاستماع إلى البرامج الإذاعية التفاعلية التي تفتح هواتفها للمواطنين. ستسمع مغربا لا يظهر دائما في نشرات السياسة والاقتصاد.
ساكنة دوار تشتكي طريقا لم تصل بعد، وأخرى تنتظر الماء، وأب يتحدث عن النقل المدرسي، ومواطن يبحث عن طبيب أو سيارة إسعاف أو مركز صحي قريب، وقرى تتحدث عن عزلة تتضاعف مع المطر أو الثلج أو وعورة التضاريس. طبعا، لا تشكل المكالمات الإذاعية عينة إحصائية يمكن أن نبني عليها حكما علميا على ملايين المغاربة، ولا ينبغي أن نقدمها كذلك. لكنها تظل نافذة بشرية على واقع لا يظهر دائما في الجداول.
فخلف كل نسبة مئوية توجد أسرة، وخلف كل طريق غير مكتملة قرية، وخلف كل مركز صحي بعيد مريض، وخلف كل مدرسة بلا نقل طفل قد يدفع ثمن المسافة من مستقبله. وهذا ما تحتاجه السياسة أحيانا: أن تنزل من الأرقام إلى الناس.
ومع ذلك… ما يزال هناك من يذهب إلى الصندوق
وربما هنا توجد النقطة الأكثر إيجابية في الموضوع كله. فرغم كل النقد، ورغم العزلة والهشاشة ومحدودية الخدمات في بعض المناطق، ما يزال جزء من المواطنات والمواطنين في العالم القروي يتوجهون إلى صناديق الاقتراع ويختارون من يعتقدون أنه قادر على تمثيلهم. ولا يمكننا أن ندخل في نيات ملايين الناخبين ونقرر لماذا صوت كل واحد منهم. لكن استمرار المشاركة، حتى وإن كانت المشاركة الوطنية العامة لم تتجاوز 38.02 في المائة في اقتراع 23 شتنبر، يسمح على الأقل بقراءة إنسانية وسياسية تستحق التوقف عندها: هناك مواطنون لم يغلقوا باب الأمل نهائيا أمام إمكانية التغيير عبر المؤسسات. ربما يصوت أحدهم لمرشح يعرفه.
وربما يصوت آخر لحزب يؤمن ببرنامجه. وربما يبحث ثالث فقط عمن يتمنى أن يصلح الطريق أو يقرب الطبيب أو يساعد القرية على الخروج من عزلتها. تختلف الدوافع، لكن الورقة التي توضع في الصندوق تحمل في النهاية قدرا من الانتظار. وهذا الانتظار رأسمال سياسي ينبغي ألا يستهان به. فالمواطن الذي ما يزال يشتكي ثم يذهب إلى التصويت لم يقطع بعد كل خيوط الثقة. أما الخطر الحقيقي فليس أن يغير هذا المواطن حزبه في الانتخابات المقبلة، فذلك من صميم العملية الديمقراطية. الخطر أن يصل يوما إلى قناعة بأن تغيير الحزب أو المرشح أو حتى ذهابه إلى صندوق الاقتراع لن يغير شيئا في الطريق التي يسلكها، ولا في المدرسة التي يدرس فيها أبناؤه، ولا في المستوصف الذي يلجأ إليه عندما يمرض. الثقة، مثل الطريق، تحتاج إلى الصيانة قبل أن تتآكل.
ماذا يحدث لصوت القرية بعد انتهاء الانتخابات؟
أثناء الحملة الانتخابية يصبح الدوار مهما. تصل إليه السيارات والمرشحون، تعقد اللقاءات، تطرح الأسئلة، تسمع المطالب، ويستمع الجميع إلى مشاكل الماء والطريق والمدرسة والمستوصف والنقل. ثم يأتي يوم الاقتراع. يدلي المواطن بصوته. تغلق المكاتب. تحسب الأصوات. توزع المقاعد. يعود الفائز إلى مركز القرار. وهنا ينبغي أن يتغير السؤال. بدل أن نسأل دائما: لمن صوتت البادية؟ ينبغي أن نسأل: ماذا سيقدم المنتخبون للبادية بعد أن أخذوا أصواتها؟
ولا أتحدث هنا عن مقايضة انتخابية من نوع «الصوت مقابل الخدمة»، فهذا منطق يجب تجاوزه تماما. أتحدث عن جوهر التمثيل السياسي. فالنائب الذي انتخب عن دائرة قروية لا يحمل إلى البرلمان اسمه وصفته الحزبية فقط، بل يفترض أن يحمل معه مشاكل المجال الذي انتخبه. والحزب الذي يعرف، أثناء الحملة، عدد الأصوات التي يحتاجها في كل جماعة ودوار، ينبغي أن يعرف بعد الانتخابات أيضا عدد المدارس التي تحتاج إلى إصلاح، والمراكز الصحية التي تحتاج إلى أطباء، والقرى التي تحتاج إلى فك العزلة، والفرص الاقتصادية التي يحتاج إليها الشباب للبقاء في مناطقهم.
البادية ليست فلاحة فقط
وثمة اختزال آخر آن الأوان لتجاوزه: اعتبار العالم القروي مجرد ملف فلاحي. نعم، الفلاحة مركزية في حياة جزء كبير من سكانه، والماء والجفاف والسدود والأسعار ودعم الفلاح قضايا حيوية. لكن المواطن القروي ليس مجرد فلاح. هناك مدرس وممرض وموظف وتاجر وحرفي، وهناك شاب حاصل على شهادة، وامرأة تبحث عن فرصة اقتصادية، وطفل يحلم بمستقبل لا يقل عن حلم طفل المدينة. وتنمية العالم القروي لا تعني فقط تحسين مردودية الهكتار، وإنما جعل القرية والمركز الصغير فضاء يمكن للإنسان أن يعيش فيه بكرامة دون أن يكون الرحيل إلى المدينة هو الحل الوحيد لتحسين حياته. فالطريق ليست غاية، وإنما وسيلة. والماء ليس إنجازا انتخابيا، بل ضرورة للحياة. والمدرسة ليست بناية، بل فرصة. والمركز الصحي ليس لافتة، بل علاج عندما يحتاجه المواطن. والتنمية ليست عدد المشاريع التي دشنت، وإنما مقدار ما تغير فعلا في حياة الناس.
من الخزان الانتخابي إلى الشريك التنموي
لا أحب وصف البادية بـ«الخزان الانتخابي» فالخزان يؤخذ منه عند الحاجة، ثم يترك إلى حين الحاجة التالية. العالم القروي ينبغي أن يكون شريكا سياسيا وتنمويا كاملا. وإذا كانت الأحزاب تحتاج إلى أصوات القرى للوصول إلى البرلمان وتصدر الانتخابات والمشاركة في تشكيل الحكومات، فمن الطبيعي أن تكون قضايا تلك القرى حاضرة بالقوة نفسها عندما يكتب البرنامج الحكومي وتحدد الميزانيات وترتب أولويات الاستثمار. والأمر لا يتعلق بوضع القرية في مواجهة المدينة. فالمدن المغربية بدورها تحمل مشاكل ثقيلة في النقل والسكن والتعليم والصحة والبطالة والاكتظاظ. المطلوب شيء أبسط من ذلك بكثير: العدالة المجالية. ألا يصبح الرمز البريدي للمواطن محددا لجودة حقوقه. وألا تحدد المسافة بين بيته وأقرب مدينة نوع المدرسة التي سيجدها ابنه، أو مدة انتظار العلاج، أو فرص الحصول على خدمة إدارية.
الحكومة الجديدة… والاختبار القديم
لقد حسمت صناديق الاقتراع ترتيب الأحزاب، وعينت رئيسة للحكومة وكلفت بتشكيل الحكومة الجديدة. ولم يعد السؤال اليوم من سيتصدر المشهد، فقد أجابت عنه المؤسسات وفق المسار الدستوري والانتخابي.
السؤال الآن هو ماذا سيتغير بعد ذلك. وموقع العالم القروي في أولويات الحكومة المقبلة سيكون أحد الاختبارات التي يمكن من خلالها قراءة المسافة بين نتائج الانتخابات ونتائج السياسات العمومية.
ليس المطلوب أن تمنح البادية امتيازا لأنها صوتت. ولا أن يعاقب مجال لأنه لم يصوت. فالحقوق لا توزع بحسب نسب المشاركة، والتنمية ليست مكافأة انتخابية. لكن من المشروع تماما أن نتساءل كيف يمكن لمجال يساهم بهذا الحجم في تشكيل المؤسسات المنتخبة أن يظل جزء منه ينتظر أبسط شروط الاندماج المجالي والاجتماعي. إن كانت للبادية قيمة كبيرة عندما ترسم الخريطة الانتخابية، فيجب أن تكون لها القيمة نفسها عندما ترسم خريطة الاستثمار العمومي.
البادية لا تطلب صدقة
في النهاية، القضية ليست مواجهة بين القرية والمدينة، ولا محاولة لإدانة حزب أو تبرئة آخر، ولا حتى الحكم على اختيارات الناخبين. القضية أبسط وأعمق. إنها العلاقة بين الصوت والمواطنة. بين التمثيل والتنمية.
بين ما تقوله صناديق الاقتراع وما يراه المواطن بعد ذلك خارج باب منزله. العالم القروي حاضر في اللوائح الانتخابية، وفي حسابات الأحزاب، وفي الدوائر، وفي المقاعد، وفي الطريق إلى رئاسة الحكومة. فليكن حاضرا أيضا في الطريق إلى المدرسة والمستشفى والعمل والاستثمار وجودة الحياة. ليس عيبا أن تساهم البادية في صناعة الخريطة السياسية للبلاد. العيب أن نعرف قيمتها حين نعد الأصوات، ثم نتذكر هشاشتها فقط عندما تبدأ الشكاوى. والمواطن القروي الذي ما يزال يحمل ورقته ويتجه إلى صندوق الاقتراع لا ينبغي أن ننظر إليه فقط باعتباره رقما جديدا في نسبة المشاركة. يمكن أن ننظر إليه أيضا باعتباره مواطنا ما يزال، رغم كل شيء، يمنح التغيير فرصة. وهذه الثقة لا ينبغي استنزافها. فالبادية لا تطلب صدقة من السياسة، ولا امتيازا على حساب المدينة. إنها تطلب ببساطة أن يوازي نصيبها من التنمية وزنها في الوطن.
Kasbah News Kasbah News