السبت , مارس 23 2019
أخبار عاجلة
الرئيسية / آراء وحوارات / أراء حرة / ورزازات: مظاهر التمدن الزائف تبيد معالم واحة سكورة

ورزازات: مظاهر التمدن الزائف تبيد معالم واحة سكورة

بقلم : سليمان رشيد / ورزازات 

شيئا فشيئا تتغير معالم واحة سكورة ’فتصبح كبرى واحات إقليم ور زازات اسما على غير مسمى ’و ذلك بفعل التحولات السريعة التي أحدتثها و تحدثها بها كل يوم طفرة التمدن الزائف ’بدءا من تحول العديد من القصبات التاريخية و الأبراج و المعالم الأثرية إلى أطلال ’مرورا بزحف الاسمنت المسلح على الأخضر و اليابس ’ و انتهاء بتراجع الغطاء النباتي المميز للواحة و انقراض العديد من الأنواع الحيوانية بها .

– قصبات تاريخية قيد النسيان و معالم أثرية في خبر كان :

باستثناء القصبات الشامخة كـــ “امرديل “و “ايت عبو” و “ايت بن مورو” و “ايت المديحي”و التي حضيت بعناية خاصة من طرف مالكيها ’بفعل نجاح عملية تحويلها إلى دور راقية للضيافة أو مزارات سياحية مدفوعة الأجر ’فان العشرات من القصبات التاريخية التي تعج بها مختلف الدواوير على طول الواحة و العديد من الأبراج الأثرية المميزة بمركز سكورة و التي تؤرخ كلها لمراحل مختلفة من تاريخ سكورة باتت خرابا و أطلالا شاهدة على تهميش الإنسان وغدر الزمان بها .

دار ايت الشعير و هي القصبة الشهيرة ذات التاريخ “السياسي ” الأسود ’ على رأس تلك المعالم الأثرية التي باتت مسكنا للغربان ’بفعل الانهيارات المتتالية التي شهدتها و لازالت تشهدها لحدود كتابة هذه السطور ’هذا المعتقل السري السابق الذي لم تستطع “مجموعة أكدز” تحويله إلى فضاءا لحفظ الذاكرة المحلية و الوطنية ’و لا جبرت ضرره جوقة “حقوق الإنسان ” لتمنع عنه النسيان و الحرمان’أما الأبراج المعمارية بفضاءات “القشلة القديمة ” بمركز سكورة ’فقد باتت اليوم وصمة عار بجبين الذاكرة الجماعية لواحة سكورة ’خصوصا أن توسيع الطريق الداخلية لمركز سكورة أجهزت فيما مضى على أربعة “أبراج تاريخية” تكاد لا تعوض أبدا ’فيما تكفلت عوامل المناخ بتدمير الباقي ’لم يصمد منها سوى برج واحد فقط ’أما باقي القصبات و القصور و الملاحات غير المشهورة بوسط الواحة فقد صارت جزءا من الماضي السحيق .

والقصبات بهذا المعنى ليست مجرد بنايات للسكنى و الحماية من المناخ القاسي وسط الواحات ’ بل هي تعبير ناطق عن هوية هذه الواحة ككل و كينونة الإنسان الذي عاش فيها ’و تعكس غالبا نمط عيش ساد لمدة معينة ’و ذلك مستشف من خلال النقوش و الزخارف المعمارية الداخلية و الخارجية التي تعبر عن هموم و مشاغل و لغة و حضارة الفئة البشرية التي سكنت بها ’نفس الأمر تعززه جملة من الأدوات المنزلية و الفلاحية و الأسلحة التي وجدت داخلها و التي تم حفظها بعناية داخل دهاليزها الأشبه بالمتاحف القديمة ’و التي طالما ساعدت على حفظ تاريخ نشوء الواحة و تطورها ’و أسهمت أكثر من أي وسيلة أخرى في إخبار الأجيال المتعاقبة على العيش بها ’عن التراث و الثقافة السائدين انذاك بكل تفرعاتها و التغيرات الطارئة عليهما عبر التاريخ .

إذن و رغم الدور الكبير الذي لعبته و لازالت تلعبه هذه القصبات و كذا القصور و الملاحات و الأبراج الأثرية باعتبارها رأسمالا رمزيا حيا ’و جزءا لا يتجزأ من الهوية الاثنية و الانتربولوجية للواحة و الإنسان الواحي على السواء ’ ناهيك عن دورها الحالي في التعريف بهذه الواحة و تسويقها بالداخل و الخارج و استقطاب أفواج من السياح و الاستثمارات ’يستمر تهميش هذه الكنوز المعمارية فيما تتوالى عملية تصفية الغالبية منها بالسر و العلن ’لتبيد مكونا أساسيا من مكونات الواحة ’دون أية التفاتة من الجهات المسؤولة و على رأسها مركز حفظ التراث وصيانة القصبات في ورزازات CERCAS’ الذي أنشأ خصيصا لتثمين القصبات و حمايتها ’فما افلح لا في حمايتها و لا في تثمينها إلا إذا كان المقصود بهذا “التثمين” احد المعاني المتداولة بالدارجة المحلية. 

زحف الاسمنت المسلح :

بنفس الوتيرة التي انقرضت بها البنايات التاريخية كالقصبات و القصور بعمق الواحة ’انتشرت البنايات الاسمنتية بمختلف الدواوير ’ سواء من طرف المواطنين الذين أرغمتهم قوانين التعمير المجحفة على هذا النوع من البناء ’بفعل عجز الوزارة الوصية على السكنى و التعمير عن إيجاد حلول بديلة لتكييف قوانينها مع الطبيعة الواحية ’و تمسكها بفرض نفس معايير المدن الكبرى على واحات النخيل و الزيتون دون أدنى حرج ’ أو حتى من طرف الدولة نفسها و التي لا تتورع عن بناء بعض المستوصفات و المساجد و خزانات المياه و المدارس بالاسمنت المسلح أو بالقطع المفككة ’و التفنن بصبغها – مؤخرا- بألوان البهلوانات و المهرجين ’في تحد مقيت و إصرار غير مفهوم على الإساءة لجمالية الواحة .

لتصبح المحصلة واحة مشوهة و خليطا غير متجانس ’ما بين ما تبقى من البنايات القديمة الجميلة التي تنهل من التراب شموخها و جماليتها و أخرى عصرية و حديثة لكنها في غير محلها إضافة لعدم ملائمتها للمناخ المحلي ذو الطبيعة القارية المتغيرة ’و بين أشجار النخيل الباسقة الخضراء و أعمدة الكهرباء الرمادية التي يعلوها الصدأ و الخطر .

و حدها المؤسسات السياحية اذن – ولحاجتها فقط – تقاوم اليوم عملية الإجهاز على مقومات الواحة المعمارية ’حيث لولا المحاولات التي تقوم بها لتجديد بناياتها بالمحافظة على الموروث المعماري بما يتناسب مع المحيط الواحي ’و التي تفلح في توفير فرص شغل لمعلمي البناء و حرفييه من حين لأخر ’لولاها لما بقيت بالواحة بنايات تقليدية و لانقرضت معظم الحرف المرتبطة بالبناء التقليدي ’فالسياحة اليوم هي جدار المقاومة الأخير في وجه الزحف الاسمنتي الغاشم .

– تراجع الغطاء النباتي :

باعتبار أن أشجار النخيل و الزيتون هي أكثر ما تعرف به الواحات عموما ’و رغم القيمة الرمزية و المادية لهما معا ’ فان هذان النوعان من الأشجار هما تحديدا المستهدفان بعملية الاجتثاث و التدمير الممنهج التي تتعرض لها واحة سكورة ’و الجهود المضنية التي ما فتئ يبذلها بعض النشطاء الجمعويين بمعية السلطات لإيقاف عملية بيع أشجار النخيل البالغة ’إلا أن العملية لا تلبث أن تعاود الظهور و لو بطرق سرية ’ينضاف إلى ذلك إجهاز الأمراض كالبيوض على المئات من نخيل الفقوس دون تعويضها بأجيال جديدة أكثر مقاومة ’ كما أن لجوء بعض الفلاحين إلى اجتتات أشجار الزيتون بغرض البيع أو صناعة الفحم و تعويضها بالأشجار المثمرة ذات العمر المحدود فاقم الأمر، بحيث أصبح من السهل اليوم ملاحظة فراغات كبيرة بالواحة قد تصل لمئات الأمتار’و هو ما لم يكن ممكنا سابقا ملاحظته بفعل كثافة الأشجار آنذاك . كنتيجة حتمية لهاته المتغيرات أمكن اليوم ملاحظة العديد من التغيرات على مستوى التنوع البيولوجي بالواحة ’ فمنذ أزيد من عشرة سنين يلاحظ سكان واحة سكورة انقراض العديد من الطيور كالحجلة و الهدهد و اللقالق و حتى الغراب و البوم ’ كما تناقصت بشكل كبير أعداد العصفور الدوري ( الجاوش) بعدما كانت تشنف أسماع الفلاحين و تمطرهم بوابل من زقزقاتها بالحقول خصوصا عند وقت ري الأراضي أو قبيل الغروب بقمم الأشجار العالية’ و أصبحت أعدادها اليوم قليلة لدرجة عدها بواسطة العين المجردة’فيما أصبح من النادر العثور على الأرانب البرية و القنافد و السلاحف و التي كانت من قبل تملأ حقول الفصة و المجاري المائية .

 فالواحة اليوم و كغيرها من واحات الجنوب الشرقي للمملكة تواجه في صمت شبح إبادة مقوماتها الأساسية كواحة’ و رغم ايجابيات التمدن الأولية كتعميم الكهرباء و شق الطرق و بناء خزانات المياه و الهاتف و الانترنت و غيرها ’ إلا أن طفرة التمدن السريع و غير المعقلن باتت تهدد الواحة في لبها و عمقها و هو ما يستوجب من المسؤولين بمختلف رتبهم التدخل العاجل لإيقاف المجزرة .

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

فك شيفرات التنمية الترابية.. بقلم: ابراهيم حميجو

بقلم: ابراهيم حميجو، باحث في القانون العام ان الجماعة الترابية، خاصة الادنى على المستوى التراتبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *